هي من الموكل -اسم الفاعل- إذْن، ومن الوكيل رفق، وتوضيح ذلك: أنك إذا قلت لشخص: بع البيت لي، فقد أذنت له أن يبيع، وهو يقوم بالبيع رفقًا بك. وأما بالنسبة لقولهم: (استنابة جائز التصرف) ، وبعض العلماء يقول: (استنابة من له حق التصرف) ، فهذا من إضافة المصدر إلى فاعله، ومعناه: أن يكون شخصًا بالغًا عاقلًا حرًا رشيدًا، فهذه أمور أو صفات إذا توفرت في الشخص حكمنا بكونه أهلًا للتصرف، والتصرف يشمل: البيع، والشراء، والإجارة، وسائر العقود التي سبق أن ذكرنا ضوابط التصرف فيها في باب الحجر، وكذلك غيره من أبواب المعاملات، فحينما قال العلماء: الوكالة: استنابة من له حق التصرف، فمعنى ذلك: أن الذي يوكِّل لا بد وأن يكون أهلًا للتصرف فيما وكَّل فيه. وعلى هذا: إذا كانت وكالةً ببيع فلا بد وأن يكون الموكِّل أهلًا لأن يبيع، وإذا كانت وكالةً بإجارة فلا بد وأن يكون الموكِّل أهلًا لأن يؤجر، وإذا كانت وكالةً بغير ذلك من العقود فلا بد وأن يكون الأصيل والموكِّل أهلًا للقيام بها، فلو كان الأصيل -وهو الموكِّل- ليس بأهل كأن يكون ليس ببالغٍ كالصبي ولا عاقلٍ كالمجنون وقال لغيره: بع داري أو أجر الدار لم تصح الوكالة؛ وذلك لأنه ممنوع من التصرف في حق نفسه فمن باب أولى أن يمنع من إنابة غيره؛ ولأن النيابة تفتقر إلى وجود أهلية في الأصل حتى يتحقق إذن الشرع بالنيابة على الوجه المرضي. (استنابة من له حق التصرف مثلَه) ، فقولهم: استنابة من له حق التصرف، هذا بالنسبة للموكل (مثله) هذا الوكيل، وقالوا: (مثله) ؛ لأن القاعدة في الشرع تقول: (البدل يأخذ الحكم مبدله) ، و (الفرع تابعٌ لأصله) ، فالفرع يستمد قوته من الأصل، فإن كان عند الأصل قوة كان الفرع قائمًا عليها، وأما إذا كان الأصل ليس له حق التصرف وليس بأهل فإنه حينئذٍ لا ينبني عليه غيره، وكذلك أيضًا من يقوم مقامه لا بد وأن يكون أهلًا للتصرف، وعلى هذا فلو وكلت شخصًا بالبيع فلابد وأن يكون الشخص الذي يقوم بالبيع عنك أهلًا لأن يبيع لنفسه؛ لأنه إذا كان لا يصح بيعه لنفسه فمن باب أولى أن لا يصح بيعه لغيره. مثال ذلك: لو وكَّل عاقل أو من هو أهل للتصرف مجنونًا لم تصح الوكالة؛ لأنه ليس بمثله أي: ليس ممن هو جائز التصرف، ولو وكّل صبيًا أو محجورًا عليه فإنه لا يحكم باعتبار الوكالة؛ لأنها لم تقع على الوجه المعتد به شرعًا، وهو أن يكون مثله فيما تدخله النيابة، هذا هو محل الوكالة، فأنت توكل شخصًا للقيام بأمر إثباتًا ونفيًا في حقٍ مالي أو غير مالي، في حقٍ لله أو حق لعباده، فهذا كله يسمى محلًا للوكالة، فلو قلت له: وكلتك أن تبيع أرضي، فمحل الوكالة بيع الأرض، ولو قلت له: وكلتك أن تبيع داري فمحل الوكالة الدار، ولو قلت له: وكلتك أن تحج عني -وكانت الوكالة بالحج معتدًا بها شرعًا، وممن يعجز أن يحج لنفسه- فإنه حينئذٍ يكون محل الوكالة هو الحج وهكذا .. (فيما تدخله النيابة) هذا قيد يخرج ما لا تدخله النيابة، فلو قال شخصٌ لآخر: وكلتك أن تصلي عني! لم يصح؛ لأن الشرع قصد أن يصلي المكلف بعينه؛ ولذلك يقولون: فروض الأعيان التي قصدها الشرع من عين المكلَّف -وإلا قد تكون فرض عين لا يقصد منها الشرع أن يقوم بها المكلف بعينه- لا تدخلها النيابة، كالصلاة حيث قصدها الشرع من المكلف بعينه، فلا يمكن لشخص أن يقول: أنا أصلي عنك. كذلك أيضًا أن لا يكون محل الوكالة مما فيه إثم، ومن ذلك منع العلماء -رحمهم الله- أن يوكل غيره في ظهار امرأته؛ لأن الظهار منكرٌ من القول وزور، وقالوا: الأصل في ذلك قوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] ، فهو إذا أقام غيره مقامه في فعل إثمٍ أو طلبه أو تحصيله فقد خالف مقصود الشرع؛ لأن مقصود الشرع أن لا يفعل هذا الإثم وأن لا يتعاون عليه، فلو كانت الوكالة صحيحة فكأن الشرع يأذن لذلك فعل المحرم، هذا بالنسبة لقوله: (فيما تدخله النيابة) ، فخرج الذي لا تدخله النيابة. كذلك أيضًا: ينبغي أن تقع هذه الوكالة في الحياة، أما لو أسند إليه الفعل بعد الموت فهي وصية، وليست بوكالة، فلو عهد إليه أن يزوج أيتامه أو يزوج بناته فإنه في هذه الحالة وصيٌ وليس بوكيل، فالوكالة في الحياة والوصية من بعد الموت. هذا حاصل ما ذُكِر في تعريف
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)