الذي أريد أن أقوله لكم باختصار: إن الإنسان إذا كان مع الحق والى المؤمنين، ووالى المسلمين، يؤلمه ما يؤلمهم، ويسعده ما يسعدهم، يعتذر عنهم أحيانًا، والقوى المعادية للدين تخطط لهم، تشتتهم، تفرقهم، تفرق جمعهم، تشوه صورتهم، هو يتألم أشد الألم، لا يصدق هذه الكلمات، يبحث عن تبرير، يبحث عن تفسير آخر.
الآية الثانية:
أيها الإخوة:
? قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ?.
(سورة الممتحنة الآية: 4) .
إذًا: ينبغي أن يكون لك الولاء للمؤمنين، وغير المؤمن يمكن أن تقيم معه علاقة عمل ما فيها شيء، والحياة هكذا، أنت في مدرسة، أنت في معمل، في مستشفى، في جامعة، في وظيفة، قد يكون مَن حولك ليسوا كما تتمنى، علاقات العمل ما فيها شيء، لكن الولاء والبراء يظهر في العلاقات الحميمة، ففي شركة اندماجية يجب أن يكون الشريك على شاكلتك، له ولاء للمؤمنين، رحلة طويلة مشتركة، ففي العلاقات الحميمة ينبغي ألا تكون بين المؤمن وبين غير المؤمن.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ ) ).
[أخرجه أحمد، وأبو داود والترمذي]
لابد من التعامل بالعاطفة العميقة لا بالعاطفة السطحية:
اسأل نفسك هذا السؤال: أيقلقك وضع المسلمين؟ أحيان لا يحتمل الإنسان ما يرى في الأخبار فيتألم، فألمه هذا علامة ولائه وبرائه، وأحيانًا يذهب إلى بلاد بعيدة فيرى الأناقة والجمال والنظام، والفخامة والرفاف والترف، لكن يرى برؤية أعمى أن هذا البناء الفخم، وأن هذا الغنى الفاحش بسبب ثروات الشعوب الضعيفة، وهناك ظلم في العالم ظلم شديد جدًا.
لو أن إنسانا دخل بيت شخص هو تاجر مخدرات فرضًا ـ لا سمح الله ـ سيجد فخامة كبيرة، لكن ولاءه للحق يجعله يحتقر هذا البيت الذي بني على إفساد أخلاق الشباب.
أحيانا يدخل الرجلُ بيتا متواضعا جدًا، صاحبه موظف مستقيم، له استقامته وعمله الطيب، فيحبه ويقدره على ضعف بيته، وعلى بساطة بيته، يرى استقامته، ويرى للناس، لذلك قالوا: عندنا عاطفة سطحية، وعندنا عاطفة عميقة، المؤمن يتعامل بالعاطفة العميقة.
قد تجد بلاد غنية جدًا، بنيتْ على نهب ثروات الشعوب، لذلك هذه البيوت على أناقتها ونظامها وتفوقها وجمالها المؤمن الصادق لا يتأثر بها، هي على الشبكية فقط.
إنّ ملهى من بعض الملاهي في بعض البلاد العربية كلفت الصالة الواحدة 30 مليون دولار، رخام، وتزيينات، وثريات، وقد تدخل إلى جامعة متواضعة جدًا فتجده بناء متداعيا منذ خمسين سنة، لكن هذه الجامعة تخرّج أطباء، وعلماء، ومدرسين، واختصاصين، أما دار اللهو ودار القمار فتخرّج مجرمين منتحرين، فالبطولة ألا تكون العاطفة سطحية، أن تكون العاطفة عميقة.
أيها الإخوة، مرة قال لي شخص: أنا عملي قذر، لكن مكتبه فخم جدًا، فخامته تفوق حد الخيال، ولحكمة بالغةٍ بالغة في اليوم التالي اضطررت أن أصلح مركبتي في مكان بأطراف المدينة، والمطر شديد، والوحل، وصاحب المحل انبطح تحت المركبة، وأصلح المركبة، وأخذ أجرا متواضعا، وأتقن عمله، فقلت في نفسي: والله الرجل الثاني عمله نظيف مع أنه على الشبكية النظافة والأناقة بالمكتب الأول، ومحل لإصلاح السيارات، والمطر شديد والوحل، ويرتدي ثيابا متواضعة جدًا، كان لونها أزرق سابقًا، ولم يرَ لونها الآن من والوحل والزيت والشحم، قلت: والله هذا عمله نظيف.
فأنت بطولتك أن تخترق المظاهر، بيت مغتصب، ولو كان فخما، صاحبه آثم، وإنسان بيته متواضع جدًا، لأنه ما أكل مالا حراما أبدًا، هذا معه وسام شرف.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)