الآخرة، بل يجعلها واقعة ومتحققة في المرحلة الأولى كذلك، ثم تتم تمامها وتبلغ كمالها في الدار الآخرة.
هذا هو أساس التصور الإسلامي للوجود كله، وللوجود الإنساني في ظل ذلك الوجود العام، وهو تصور يختلف في طبيعته اختلافًا جوهريًا عن كل تصور آخر عرفته البشرية، ومن ثم تقوم عليه التزامات لا تقوم على أي تصور آخر في جميع الأنظمة والنظريات..
إن الالتزام بشريعة الله - في هذا التصور - هو مقتضى الإرتباط التام بين حياة البشر وحياة الكون، وبين الناموس الذي يحكم فطرة البشر ويحكم هذا الكون، ثم ضرورة المطابقة بين هذا الناموس العام والشريعة التي تنظم حياة بني الإنسان، وتتحقق بالتزامها عبودية البشر لله وحده، كما أن عبودية هذا الكون لله وحده لا يدّعيها لنفسه إنسان.
وإلى ضرورة هذا التطابق والتناسق يشير الحوار الذي جرى بين إبراهيم - عليه السلام - أبي هذه الأمة المسلمة - وبين"نمرود"المتجبر المدعي بحق السلطان على العباد في الأرض، والذي لم يستطع - مع ذلك - أن يدعي بحق السلطان على الأفلاك والأجرام في الكون، وبهت أمام إبراهيم عليه السلام، وهو يقول له: إن الذي يملك السلطان في الكون هو وحده الذي ينبغي أن يكون له السلطان في حياة البشر، ولم يحر جوابًا على هذا البرهان:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا