وذلك أن الله تعالى خلق العباد لعبادته، ومقتضى العبادة أن يكون عبدًا مطيعًا لسيده، منقادًا لأمره، مجتنبًا لنهيه، مكثرًا لذكره، مثنيًا عليه بأسمائه وصفاته، ونعمه الموجبة لشكره، عاكفًا بقلبه عليه، خائفًا من الوقوف بين يديه، لا يقدم على عمل حتى يظن أنه مما يرضاه، ويبيح فعله ولا يأباه، ويعتقد أن الدنيا ممر لا مستقر، جعلها الله فرصة للتزود إلى الآخرة، ومطية يتبلغ عليها العبد إلى وطنه الأصلي الذي هو الجنة.
فهذا هو الدين الذي أمر الله به عباده على ألسنة رسله -صلوات الله وسلامه عليهم-، والدين في اللغة هو كل طريقة يخضع لها الإنسان ويتبعها في حياته، سواء كانت حقًّا أو باطلًا، أما إن آثر الهوى على الهدى والضلال على الرشد، وكان ممن قال الله فيهم: ?وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ? [الأعراف: من الآية146] ، تراه يدير مؤشر الجهاز فإن وقع على قراءة حوَّلَهُ عنها، وإذا كان عنده من يستحيي منه تركه على مضض، وكان مستثقلًا من القراءة، متبرما منها، يود انقطاعها أو ذهاب من يستحيي منه ليدير المؤشر على ما يشتهيه، ومتى ظفر برغبته انشرح صدره وابتهج قلبه، فهز رأسه، وحرك يده ورجله طربا فهذا لا شك أن له نصيبًا وافرًا من هذه الآية، ولا نأمن عليه أن تتزايد فيه هذه الصفات فتهلكه، لأنه قد اتخذ الدين لهوًا ولعبا، واللهو كل ما ألهى عن طاعة الله وإن كانت فيه فائدة أصلًا, واللعب ما لَم تكن فيه فائدة، لا في الدنيا ولا في الآخرة والفرق بينهما ظاهر.