وأما من وجه الدلالة من هذه الآية فهي أن الله تعبد الإنسان بأوامر ونواهي، وابتلاه بأعداء من داخل نفسه يدعونه إلى مخالفة الأوامر والتوثب على النواهي، هؤلاء الأعداء هم الهوى، والنفس الأمارة بالسوء، والشيطان، فإن أراد القيام بأمر من الأوامر كسلوه وثبطوه، وإن أراد التوقف عن نَهي دفعوه إليه وحسنوه له، وكانت الحكمة من هذا الابتلاء أن تظهر العبودية في أكمل معانيها، حينما يخالف الإنسان هذه الدواعي والدوافع، ويستجيب لأمر ربه -جل وعلا-، ولا يكون ذلك إلا بعد مدافعة ومحاربة بين حزب الرحمن وحزب الشيطان، والأمر في النهاية لمن غلب، فدخل قلعة الملك ومحل إصدار الأوامر والنواهي وهو القلب، فإن غلب الشيطان وحزبه على القلب كان الحكم له، والتصرف بحسب توجيهاته، فمتى عرضت له شهوة انقض عليها انقضاض العقاب، وأسرع إليها إسراع السهم، لا يخاف جزاء، ولا يخشى عاقبة، فذلك هو الذي اتخذ إلهه هواه.