هذا وقد حاول بعض الفضلاء المتأخرين بيان وجه التجوز في بعض الأمور المتقدمة، فقال: في استعمال الهمزة للإنكار إنكار الشيء بمعنى كراهته والنفرة عن وقوعه في أحد الأزمنة، وادعاء أنه مما لا ينبغي أن يقع فيه يستلزم عدم توجه الذهن إليه، المستدعي للجهل به المفضي إلى الاستفهام عنه، أو تقول: الاستفهام عنه يستلزم الجهل به المستلزم لعدم توجه الذهن إليه، المناسب لكراهته والنفرة عنه، وادعاء أنه مما لا ينبغي أن يكون واقعا، وقس على هذا حال الإنكار بمعنى التكذيب، وقال في استعمال الهمزة للتقرير: الاستفهام عن المعلوم للمخاطب يستلزم حمله على الإقرار بما هو معلوم منه، وقال في استعمالها للتهكم: الاستفهام عن كون صلواته آمرة لذلك يناسب ادعاء أن المخاطب معتقد له، وادعاء اعتقاده إياه يناسب الاستهزاء والتهكم، وبالجملة استعلام هذه الحال منه يناسب التهكم به والتحقير والتهويل والاستبعاد، ومناسبة هذه الأمور للاستفهام واضحة، فإن الاستفهام عن الشيء يستلزم الجهل به، المناسب لحقارته من وجه لأن الحقير لا يلتفت إليه، فلا يعلم ولتهويله من وجه آخر، لأن الأمر الهائل لعظمته وفخامته ينافي أن يحاط به علما، ولاستبعاد وقوعه أيضا لأن ما هو قريب الوقوع فالأولى أن يكون معلوما، وقال في استعمال الاستفهام للتعجب الاستفهام عن الشيء يستلزم الجهل به المناسب للتعجب؛ لأنه كيفية نفسانية تابعة لإدراك الأمور القليلة الوقوع المجهولة الأسباب، وقال في استعماله للاستبطاء: الاستفهام عن الشيء يستلزم الجهل به، والجهل به يستلزم استبعاده عادة أو ادعاء؛ لأن الأنسب بما هو قريب أن يكون معلوما إما بنفسه أو بأماراته، والأنسب بما هو بعيد أن يكون مجهولا واستبعاده يستلزم استبطاءه، وقس على ذلك نظائره، هذا كلامه فتأمله.