الصفحة 58 من 1538

فإن قلت: لعلهم رأوا وجهه أن الهمزة للإنكار الإبطالي، وهو غير متأت في العطف؛ إذ إشراكهم ثابت لا يتطرق إلى وقوعه إبطال، قلت: لا يتعين جعل الإنكار إبطاليا حتى يرتكب؛ إذ يجوز أن يكون توبيخا بمعنى لا ينبغي أن يكون، وذلك أن مضمون الأولى على هذا التقدير هو اعتقادهم أن القائم على كل نفس بما كسبت مماثل لمن ليس كذلك، وهذا لا ينبغي أن يقع، ومضمون الثانية إثباتهم لله سبحانه وتعالى شركاء، وهذا أيضا مما لا ينبغي أن يكون، وقد رأيت لبعض العصريين من أهل الشام أن العلة في امتناعهم من عطف هذه الجملة على الخبر المقدر بقولهم: كمن ليس كذلك، هي أن ليس لنفي الحال وجعلوا للماضي، فلا يحسن العطف عليه إلا لنكتة، قلت وهو غلط إذ الجملة المصدرة بليس صلة لا خبر، والعطف إنما هو على الخبر لا على الصلة.

(وقالوا التقدير في قوله تعالى) في سورة الزمر: (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ) [الزمر: 24] وهو أعز أعضائه الذي كان يتقي المخاوف بغيره وقاية له، فصار حيث ألقي في النار مغلولة يداه إلى عنقه يتقي بوجهه (سُوءَ الْعَذابِ) أي: شدته (( يَوْمَ الْقِيامَةِ،) أي كمن ينعم في الجنة) وقدره الزمخشري بقوله: كمن أمن من العذاب، والظاهر أن قوله كمن ينعم في الجنة خبر عن التقدير الذي هو بمعنى المقدر، فلا معنى حينئذ لإدخال حرف التفسير على الخبر، ويمكن أن يجعل

وفي قوله تعالى: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا) [فاطر: 8] ، أي: كمن هداه الله، بدليل: (فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) [فاطر: 8] ، أو التقدير: ذهبت نفسك عليهم حسرة، بدليل قوله تعالى: (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ) [فاطر: 8] ؛

خبر هذا المبتدأ محذوفا، أي: التقدير ثابت، فدل ذلك على أن ثمّ مقدرا مفسرا بقوله: كمن ينعم فلإدخال حرف التفسير حينئذ موقع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت