(و) قالوا أيضا (في قوله تعالى) في سورة فاطر: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا) [فاطر: 8] التقدير: (كمن هداه الله) وإنما صاروا إلى التقدير لأن من مبتدأ وهي إما موصولة أو شرطية، ومدخول الفاء من قوله فرآه حسنا معطوف على زين له سوء عمله، داخل في حكم الصلة أو الشرط، فيلزم المصير إلى تقدير خبر أو جزاء يدل عليه الكلام ويقتضيه المقام، فيجوز أن يكون التقدير كمن هداه الله (بدليل:(فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) [فاطر: 8] ) والهمزة على هذا لإنكار التساوي، والمحذوف خبر قطعا ومن موصولة.
(أو التقدير ذهبت نفسك عليهم حسرة) بإعادة ضمير الجماعة على من باعتبار معناها والهمزة على هذا لإنكار التحسر المذكور، والمحذوف إما خبر ومن موصولة أو جزاء ومن شرطية، وقدروا هذا المحذوف (بدليل:(فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ) [فاطر: 8] ) والفاء من فلا تذهب للسببية، فإن ما تقدمه سبب للنهي عن التحسر.
وعليهم: متعلق بتذهب كما يقال هلك عليه حبا ومات عليه حزنا، ومنع الزمخشري تعلقها بحسرات قال: لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه قلت: وفيه كلام ستقف عليه إن شاء الله تعالى في الباب الثالث، وحسرات: مفعول له، أي: لا تهلك نفسك لأجل الحسرات، وفي جمعها إشعار بتضاعف اغتمامه على أحوالهم، وكثرة مساوي أفعالهم المقتضية للتأسف عليهم، فإن قلت: كيف عدل المصنف عن الجمع إلى الإفراد وهو مفوت لهذه النكتة؟ قلت: وقع نظيره لصاحب المفتاح واعتذر عنه الشريف الجرجاني بقوله: وقال حسرة دون حسرات مبالغة في الإنكار، أي ما كان ينبغي أن يكون منك تحسر ما إذ لا ينفع ولا يجدي، لأن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، ما أنت عليهم بوكيل.