قلت: وهو كثير مع فقد أم والأحاديث طافحة بذلك، وقول ابن الحاجب ـ حذف الهمزة شاذ وإنما تقع للضرورة وسره أن الحروف التي تدل على الإنشاء لها صدر الكلام، فلو جاز حذفها لجاز تأخيرها ـ منظور فيها باعتبار هذه الملازمة فإنها غير مسلمة (وحمل) أي الأخفش (عليه) أي على حذف الهمزة (قوله تعالى) حكاية عن موسى عليه الصلاة والسّلام يخاطب فرعون: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ) [الشعراء: 22] أي ذللتهم واتخذتهم عبيدا فإن حذف الهمزة هنا لا يوقع في الإلباس بالخبر، ضرورة أن ما أخبر عنه ليس بنعمة بل هو نقمة فكيف يتوهم الإخبار بأنها نعمة وإنما المقصود الإنكار المفاد بالهمزة المحذوفة، قال الزمخشري: وتلك إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدرى ما هي إلا بتفسيرها ومحل أن عبدت الرفع عطف بيان لتلك، ونظيره (وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ) [الحجر: 66] والمعنى تعبيدك لبني إسرائيل و (قوله تعالى:(هذا رَبِّي) في المواضع الثلاثة) المحكية عن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام حيث قال تعالى: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ 76 فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ 77 فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ 78) [الأنعام: 76 ـ 78] فإنه لا يخفى أن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه لم يقصد حقيقة الإخبار في شيء من المواضع الثلاثة بربوبية ما رآه من تلك الأجرام السماوية، وحاشاه من ذلك بل قصد الاستهزاء والإنكار عليهم، فحذفه الهمزة لظهور المراد وانتفاء اللبس.