(فصل: قد تخرج الهمزة عن الاستفهام الحقيقي فترد لثمانية معان) أي: لأحد ثمانية معان، واستعمالها حينئذ في واحد من تلك المعاني الثمانية استعمال في غير ما وضعت له، فيكون ذلك من قبيل المجاز قال بعض المتأخرين: وتحقيق هذا المجاز وبيان أنه من أي نوع من أنواعه مما لم يحم أحد حوله، وقد حاول بعض تحقيق ذلك في بعض المواضع بما لا يخلو من كلفة كما ستراه.
(أحدها التسوية وربما توهم) بالبناء للمفعول (أن المراد بها الهمزة الواقعة بعد كلمة سواء
بخصوصها، وليس كذلك، بل كما تقع بعدها تقع بعد «ما أبالي» ، و «ما أدري» ، و «ليت شعري» ، ونحوهنّ، والضابط: أنّها الهمزة الدّاخلة على جملة يصحّ حلول المصدر محلّها، (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) [المنافقون: 6] ، ونحو: «ما أبالي أقمت أم قعدت» . ألا ترى أنّه يصحّ: سواء عليهم الاستغفار وعدمه،
بخصوصيتها) بضم الخاء المعجمة وبفتحها أيضا وتشديد الباء، والحامل على هذا التوهم تخيل أن التسوية مأخوذة من كلمة سواء (وليس كذلك بل كما تقع بعدها تقع بعد ما أبالي) نحو ما أبالي أقمت أم قعدت، فالذي يظهر لي أن الجملة الواقعة بعدها في محل نصب والفعل معلق قال الجوهري: وقولهم: لا أباليه أي لا أكترث به انتهى. فهو فعل معد بنفسه ويقرب من معنى الفعل القلبي؛ لأن معنى لا أكترث به لا أفكر فيه ازدراء به فجاء التعليق من هذه الجهة، (وما أدري) وتسليم المصنف لصحة وقوع همزة التسوية بعد ما أدري معارض لرده على ابن الشجري فيما يأتي عند الكلام على أم، وذلك أن ابن الشجري ادعى أن الهمزة للتسوية في قول زهير:
وما أدري وسوف أخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء (1)
فرده المصنف بأن هذا غلط نشأ من توهمه أن معنى الاستفهام فيه غير مقصود ألبتة لمنافاته لفعل الدراية، وستقف عليه إن شاء الله تعالى.