المجتمع المدني في عهد النبوة خصائصه وتنظيماته الأولى
المجتمع المدني قبل الهجرة:
"يثرب"- وهو الاسم القديم للمدينة المنورة - واحة خصبة التربة كثيرة المياه تحيط بها الحرات من جهاتها الأربع وأهما حرة واقم من الشرق وحرة الوبرة في الغرب. وحرة واقم أكثر خصوبة وعمرانًا، من حرة الوبرة، ويقع جبل أحد شمالها وجبل عسير في جنوبها الغربي، وتقع فيها عدة وديان أشهرها وادي بطحان ومذينيب ومهزور والعقيق وهي منحدرة من الجنوب إلى الشمال حيث تلتقي عند مجتمع الأسيال من رومة.
وقد ورد اسم يثرب في الكتابات المعينية بما يدل على قدمها [1] ولكن معلوماتنا عن تاريخها الذي يسبق الإسلام قليلة ومشتتة وتبدو أكثر وضوحا كلما اقتربنا من الفترة الإسلامية.
اليهود:
تختلف النظريات حول أصل يهود المدينة المنورة - والحجاز عامة -والمكان الذي هاجروا منه والزمان الذي قدموا فيه، ولكن أقواها يميل إلى أن بداية نزوحهم من الشام في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد بعد أن نجح الرومان في السيطرة على سورية ومصر في القرن الأول. ق. م. وعلى اليهود ودولة الأنباط في القرن الثاني بعد الميلاد، مما أدى باليهود إلى الهجرة إلى شبه جزيرة العرب التي كانت بعيدة عن سيطرة الرومان الذين أفزعوهم.
غير أن هجرة اليهود إلى الحجاز اشتدت بعد فشل التمرد اليهودي ضد الرومان والتي أخمدها الإمبراطور تيتوس في - عام 70 م، وقد وصل بعض هؤلاء اليهود المهاجرين إلى يثرب كما وصلت مجموعة أخرى من اليهود إلى يثرب بعد فشل ثورة أخرى قاموا بها في زمن الإمبراطور هادريان بين عامي 132 - 135 م.
وشكل هؤلاء اليهود الجالية اليهودية في المدينة والحجاز [2] .
وقد ارتاد يهود بني النضير وبني قريظة منطقة يثرب واستقروا فيها لخصبها وأهمية موقعها التجاري على طرق القوافل إلى الشام.
وقد استقر يهود بني النضير وقريظة في حرة واقم شرقي يثرب وهي أخصب بقاعها [3] . وعرف من أسماء القبائل اليهودية قبل الهجرة أيضًا بنو قينقاع الذين تختلف الآراء في كونهم عربًا تهودوا أو أنهم نزحوا مع النازحين إلى الحجاز وهذا الاختلاف يسري على البطون الأخرى من يهود التي تسميها المصادر العربية ومنهم بنو عكرمة وبنو محمر وبنو زعورا وبنو الشطيبة وبنو جشم وبنو بهدل وبنو عوف وبنو معاوية وبنو مريد وبنو القصيص وبنو ثعلبة [4] .
ولم تذكر المصادر إحصاء لعدد اليهود، ولكن كتب السيرة ذكرت أعداد المقاتلين - وهم عادة الرجال البالغون - من كل قبيلة وهو سبعمائة من بني قينقاع ومثلهم تقريبًا من بني النضير وما بين السبعمائة والتسعمائة من بني قريظة [5] فالمقاتلون من يهود القبائل الثلاث يزيدون قليلًا على الألفين، هذا سوى بقية بطون يهود الأخرى الأقل أهمية والتي تسكن في أماكن متناثرة من يثرب أيضًا حيث يذكر السمهودي أنها تزيد على العشرين بطنًا [6] .
ولا شك أن المجتمع المدني الذي خضع لسيطرة اليهود قبل أن يقوى كيان العرب فيه خضوعًا تامًا اقتصاديًا وسياسيًا وفكريًا، حيث ترك اليهود بعض طوابعهم عليه كما أنهم تأثروا بالقبائل العربية التي تحيط بيثرب من كل مكان، من ذلك أن اليهود نقلوا من الشام إلى يثرب فكرة بناء الآطام حيث بلغ عددها في يثرب تسعًا وخمسين أطما [7] . كما حملوا معهم خبراتهم الزراعية والصناعية مما أثر في ازدهار بساتين يثرب حيث النخيل والأعناب والرمان وبعض الحبوب، كما ظهر الاهتمام بتربية الدواجن والماشية وبرزت صناعات
(1) جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام 3/ 295.
(2) د. جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 6/ 513 - 514 (بيروت 1968 - 1971) .
د. محمد بيومي مهران، دراسات في تاريخ العرب القديم (نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض 1397 ه/1977 م ص 448 - 450.
(3) أحمد إبراهيم الشريف: مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول ص 288.
(4) السمهودي: وفاء الوفا 1/ 112 - 116. وابن هشام: السيرة 2/ 259.
(5) ابن هشام: السيرة 2/ 428 - 3/ 259 (تحقيق محي الدين عبد الحميد) .
وانظر أحمد إبراهيم الشريف ص 294.
(6) وفاء الوفا 1/ 112.
(7) السمهودي: وفاء الوفا 1/ 116.