مقدمة المؤلف
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى
آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
هذه دراسة كتبتها في أناة، ونقحتها على مهل، وحاولت فيها تطبيق منهج النقد علي الروايات التاريخية، وأحسب أن المحاولة نافعة بفضل الله وتوفيقه، ويحتاج الأمر إلى التفرغ لإكمال حلقات السيرة النبوية وعصر الراشدين على غرارها. وعسى أن يتحقق ذلك قريبا إن شاء الله تعالى، وأملي كبير في نقد هذه التجربة وتقويمها من قبل الباحثين المعنيين بدراسات التاريخ الإسلامي للإفادة من آرائهم في هذا الشأن لأننا لازلنا في أول الطريق نحو تطبيق منهج المحدثين في نقد الروايات التاريخية وهو أمر عسير يحتاج إلى استيعاب دقيق لمصطلح الحديث ومرونة في التعامل مع الروايات التاريخية وفقه. وقد وجهت عددا من الرسائل التي سجلت في قسم الدراسات العليا لنيل درجتي (الماجستير والدكتوراه) نحو نقد المرويات التي احتوتها كتب الحديث والمغازي والتواريخ عن السيرة النبوية، وذلك بهدف توثيق معلوماتنا عن حياة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام. وقد أنجزت بعض هذه الرسائل وبعضها الآخر في الطريق إلى الإنجاز، وفي تصوري أن هذا المشروع الذي ينفذه قسم الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة منذ ست سنوات يعتبر أعظم إنجاز في توثيق دراسات السيرة النبوية حتى الآن، رغم ما يكتنف التجارب الأولى من قصور في العادة، وأملي كبير في أن نتمكن من تطوير هذا لإنجاز ليتم عرض السيرة النبوية عرضا كاملا من جوانبها المختلفة متعمدا على التوثيق للروايات والتصور الإسلامي للدوافع والسمات، والله من وراء القصد وهو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
د/أكرم ضياء العمري المدينة المنورة - الجامعة الإسلامية
مقدمة في منهج كتابة تاريخ صدر الإسلام
ومصادر السيرة النبوية
منهج كتابة تاريخ صدر الإسلام
من الثغرات التي انتبه لها المفكرون المسلمون في بداية الستينات من هذا القرن قضية إعادة صياغة التاريخ الإسلامي وفق التصور الإسلامي لحركة التاريخ من ناحية التفسير التاريخي، ووفق مناهج المحدثين من ناحية البحث في التاريخ الإسلامي ... ولاشك أن تقديم المقترحات والملاحظات حول إعادة صياغة التاريخ الإسلامي خلال أربعة عشر قرنا في غاية الصعوبة، لطول الفترة الزمنية من ناحية، ولتنوع المصادر واختلافها من حيث التنظيم وطرق العرض واختلاف الجوانب التي تستحق التركيز عليها في كل حقبة، وظهور انحراف عن الإسلام في الحياة السياسية منذ فترة مبكرة ثم انحرافات أخرى في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتربوية في الفترات المتأخرة، ثم انحراف أخطر عن العقيدة والشريعة في القرن العشرين، مما يؤثر في تفسير دوافع حركة"التاريخ الإسلامي"0
ولذلك سأقصر كلامي على إعادة صياغة تاريخ صدر الإسلام ويشمل على السيرة النبوية المطهرة وعصر الراشدين حيث يقوى تأثير العقيدة في دوافع سلوك المسلمين من ناحية، كما أن المصادر تتشابه من ناحية التزامها بسوق الروايات تتقدمها الأسانيد على طريقة المحدثين في الغالب، وكذلك لخطورة تاريخ صدر الإسلام حيث يمثل التطبيق الصحيح لتعاليم الإسلام الكاملة الشاملة، فهو الصورة النموذجية والمثال الذي نسعى بمجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة للوصول إليه، وسأتعرض لبعض ملامح التصور الإسلامي للتفسير التاريخي، ثم أتعرض لمنهج البحث التاريخي وفق قواعد مصطلح الحديث مع تمهيد لذلك ببيان الحاجة إلى كتابة تأريخنا بأقلام إسلامية.
إن تاريخ الأمم الأخرى كتب بأقلام أبنائها وإن أسهم فيه غيرهم، والأصل أن نحمل - نحن المسلمين - مسؤولية كتابة تاريخنا بأيدينا، وأن نعرف بحضارتنا ومبادئنا وقيمنا وفق فهمنا لها، وإن أسهم الآخرون في الكتابة معنا فإنها مشاركة محدودة وليست هي الأصل في تصورنا لتاريخنا ولا في عرضنا له أمام أنظار العالم.
إن ما حدث هو عكس ما ينبغي، حيث إن التخلف الحضاري للعالم الإسلامي ينعكس على تقويمه لتاريخه. إن البعض من المعنيين بالتاريخ ما بين ناكصين عن الإسلام كارهين لتاريخه معتقدين أنه سبب التأخر الحضاري في ديار الإسلام وهم يحملونه حتى مسؤولية الهزائم العسكرية أمام يهود، وهؤلاء يؤمنون بضرورة أحداث فجوة بين الماضي والحاضر وعزل الأجيال الإسلامية الجديدة عن الإسلام وتراثه الأدبي، أو كسالى احترفوا الكتابة التاريخية فهم يسودون الصحف البيضاء بما يترجمونه من كتب المستشرقين التي يجدون فيها مادة للتدريس والكتابة لا تكلفهم عناء البحث والتدقيق والتأليف، ولا يبالون بعد ذلك بالسموم التي ينفثونها في المجتمع الإسلامي.
إن مما ساعد على ذلك تخلف الحركة الفكرية في العالم الإسلامي وعدم مواكبتها للحركة الفكرية العالمية، وذلك مرتبط بما حدث من تباين حضاري بين الشرق والغرب منذ عهد النهضة في أوربا، فقلما تجد دراسة تاريخية جادة كتبت من قبل المسلمين في القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، فلا غرابة إذا ما كانت معظم الدراسات التاريخية التي قام بها المسلمون في تلك الفترة صدى وانعكاسا لآراء وأفكار المستشرقين.
أما المؤمنون بالإسلام، العاملون على توثيق صلة الأجيال الجديدة به، فهم يحملون عبئا ضخما ومسؤولية كبيرة في هذا الميدان، لأنهم وحدهم القادرون على التصور الصحيح للتاريخ الإسلامي والمجتمع الإسلامي، ويتذوقون طعم الإيمان ويحسون بأثره على سلوكهم مما يمكنهم من فهم دوافع حركة الفرد