لقد تمَّ تغسيل وتكفين (737) جنازة في أربع مغاسل للموتى في الرياض خلال الشهر الذي مضى فقط .. فكم هو العدد في مغاسل البلاد من مشرقها ومغربها؟! بل كم هو العدد الذي يموت في كل يوم هنا وهناك؟! .. السُنَّةُ ماضية .. السُنَّةُ ماضية .. أناس تحيا .. وأناس تموت .. وأكثر الناس عن الموت غافلون .. من أجل هذا جعلت الحديث عن الموت وعظاته .. جعلت الحديث عن الخَطب الأفظع .. والأمر الأشنع .. إنه .. هادم اللذات .. وقاطع الراحات .. وجالب الكريهات .. إنه .. فراق الأحباب .. وانقطاع الأسباب .. ومواجهة الحساب .. نصحنا نبينا ووعظنا وأبلغ فقال: (أكثروا من ذكر هادم اللذات) ذكر الموت حياة .. ونسيانه غفلة .. ومن استحيا من الله حقَّ الحياء .. لم يغفل عن الموت .. ولا عن الاستعداد للموت ..
قال صلى الله عليه وسلم: (من استحيا من الله حقَّ الحياء .. فليحفظ الرأس وما وعى .. وليحفظ البطن وما حوى .. وليذكر الموت والبلى .. ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا) .. وما ترك النبي صلى الله عليه وسلم فرصة إلا .. ذكَّر أصحابه .. بالموت وما بعده ..
يقول البراء بن عازب رضي الله عنه: بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ أبصر جماعة، فقال: (علامَ اجتمع هؤلاء؟) قيل: على قبر يحفرونه، قال: ففزع النبي صلى الله عليه وسلم وقام من بين يدي أصحابه مسرعًا حتى انتهى إلى القبر فجثا عليه ..
قال البراء: فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع .. قال فبكى حتى بلَّ الثرى من دموعه .. ثم أقبل علينا فقال: (أي أخواني لمثل هذا اليوم فأعدوا) .. (لمثل هذا اليوم فأعدوا) . وهكذا سار السلف من بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم .. يذكرون الموت .. ويُذكّرون الناس به .. فهذا أويس القرني رحمه الله يخاطب أهل الكوفة قائلًا: يا أهل الكوفة .. توسدوا الموت إذا نمتم .. واجعلوه نصب أعينكم إذا قمتم.