اعتصامنا .. وتآلف قلوبنا .. وزوال آثار الجاهلية من مجتمعاتنا ..
فأمر ذلك اليهودي أحد الشباب اليهود أن يندس بين بين جمع الأوس والخزرج، وأن يثير بينهم أخبار الجاهلية، ونعرات القبلية، ويذكرهم بالذكريات الأليمة .. وخاصة يوم بعاث ذلك اليوم الذي تقاتل فيه الأوس والخزرج لأتفه الأسباب .. حصدت فيه الأرواح من الفريقين ومن الخزرج خاصة، وكاد الأوس يبيدون أخوانههم من الخزرج عن بكرة أبيهم .. فاندس الخبيث بين الجمع وأخذ باشعال النار، وإيقاد الفتنة، وأخذ ينشد الأشعار، ويذكر بما كان في حرب بعاث من أخبار .. فظهرت الفتنة، وتلاسن الحيّان، وأخذ كل منهما يفاخر الآخر وينازعه .. وتحول الجدل إلى ما هو أخطر من ذلك .. فقام أحد زعماء الخزرج متحديًا للأوس قائلًا: إن شئتم رددناها .. إن شئتم رددناها .. فاشتط الغضب بالفريقين، وتواعدوا للحرب، وأعلنوا النفير، وأخذوا سلاحهم، وتوجهوا للمكان المحدد .. وكاد اليهود ينجحون في أهدافهم الخبيثة لولا لطف من الله تبارك وتعالى ..
بلغ الخبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقام مسرعًا، فوجد القوم قد اجتمعوا وعلى وشك الاقتتال؛ فقام بينهم خطيبًا فقال: (يا معشر المسلمين) - ما قال أوس أو خزرج - ..
قال: (يا معشر المسلمين .. الله .. الله .. أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم .. الله .. الله .. أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم .. دعوها فإنها منتنة .. بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به .. وقطع عنكم أمر الجاهلية .. واستنقذكم به من الكفر .. وألَّف بين قلوبكم) ..
فلما سمع الرجال الكلام عادوا إلى رشدهم، وأدركوا أنها مكيدة يهودية، فأغمدوا سيوفهم، ونكسوا رماحهم، ثم استرجعوا، وبكوا، وأخذ الرجال من القبيلتين يعانق بعضهم بعضًا .. فأنزل الملك العلَّام: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ