ومتابعة الصغار ونظافتهم وإطعامهم وغسلهم ونومهم وما إلى ذلك مما هو وحده كفيل بهدّ جبل من الجبال، وتفتيت صخرة راسية، وإحراق البقية الباقية من الأعصاب المشدودة .. ومع هذا كله تراها تقول للصبر مبتسمة .. خذ مني دروسًا يا صبر .. خذ مني دروسًا يا صبر .. جرب نفسك لتكن أمًا .. هل يستطيع رجل واحد أن يتحمل البقاء مع طفل في الثانية أو الثالثة من عمره لساعات قبل أن يدعو على نفسه بالويل والثبور وعظائم الأمور .. إنها والله وحدها الأم التي تتحمل ذلك راضية متبسمة .. تأمل معي هذا المنظر وقل: ما أجمل منظرها وهي جالسة وقد التف حولها صغارها أشبه بفراخ الطير تفتح مناقيرها لتلقمها أمها شيئًا من الطعام .. تشجع هذا ليأكل .. وتداعب الثاني وهي تطعمه .. وتسقي الآخر بعد محاولات .. وتضحك مع أصغرهم ليقبل على وجبته .. كل ذلك وهي تجلس بينهم جلسة غير طبيعية يكاد كل مفصل منها يأنّ على حدة يشتكي و يتوجع .. وهي مع ذلك لا تزال تبتسم وتشجع وتسقي وتطعم .. ثم فجأة تطلق صرخة خافتة فلقد تلقت من جنينها لكمة محكمة تحت الحزام فتسارع لتغير جلستها .. وما إن تستوي عظامها حتى تعاود الابتسام كأنَّ شيئًا ما كان .. ومن جديد يسدد الجنين لكمة أخرى محكة كأنما يقول لها: أنا هنا أماه .. تفرح بلكمه ورفسه وهو لا يدعها تستريح لحظة .. فإذا هدأ عن الحركة خافت وقلقت .. وإذا تحرك فرحت واستبشرت .. يالله .. ألوان متعددة من العذاب الذي أظن أنه لو صبَّ على رجل مفتول العضلات لصاح حتى يسمعه الجار الأربعون .. أما هي .. فصابرة محتسبة .. بل ضاحكة مبتسمة .. فرحمة الله لها .. ورحمة الله عليها .. ورحمة الله معها .. يقول مواصلًا كلامه .. رأيتها مرات تنظر لي نظرات تحمل الكثير من معاني الألم دون أن تحرك شفتاها ..
ثم بعدها بلحظات إذا بها تبتسم ضاحكة ويفيض لسانها بأعذب الحديث عن الضيف الجديد .. عجيب أمرك أيتها الأم .. هل تظنون أن الآلام والمعاناة بالحمل تنتهي .. لا .. اسمع واسمعي ولنقل: ما أعظمك أماه .. فإذا حل بها الشهر التاسع وأزفت ساعة خروج الجنين