إلى الدنيا حلت الطامة .. فلا هو براغب بالبقاء في الأحشاء .. ولا هو براغب في الخروج إلى دار الفناء .. وهنا الشدة التي لا تطاق .. والمأزق الذي لا يسهل .. والعقبة التي لا تذلل .. ثم لا يخرج في أكثر الأحيان إلا قصرًا و إرغامًا .. فيمزق اللحم .. أو يبقر البطن .. أو تسلط عليه آلة الضغط والطبيبة تقطع لحم أمه، والقابلة تجهد في سحبه .. ثم يتسابق وروحها بالخروج .. وكثيرًا ما تسبق الروح وتموت الأم ويحيى هو .. فإذا كان لها فسحة في الأجل أفاقت من بعد هذه المعركة اللاهبة حتى إذا ما رأته إلى جانبها تبسمت وقالت: فداك روحي .. يالله .. ما هذا الحنان، وما هذا الإيثار .. تقاسي ما تقاسي ثم تتمنى أن تموت ويحيى هو .. أماه ..
لو النجمات تسكب نورها أماه شلالا و كل حناجر الأطيار لو غنتك موالا
لو الأنسام طافت في رحابك تنثر عطرًا ما وفتك يا أماه .. ما وفتك مثقالا
عن أنس قال: ارتقى النبي على المنبر درجة فقال آمين .. ثم ارتقى الثانية فقال آمين .. ثم ارتقى الثالثة فقال آمين .. ثم استوى فجلس فقال أصحابه: علامَ أمنت يا رسول الله؟! .. فقال: (( أتاني جبريل فقال: رغم أنف امرئ ذُكرت عنده فلم يصلِ عليك، فقلت: آمين .. - اللهم صلي على محمد في الأولين وفي الآخرين -
ثم قال: ورغم أنف امرئ أدرك أبويه ولم يدخل الجنة، رغم أنف امرئ أدرك أبويه ولم يدخل الجنة فقلت: آمين .. فقال: رغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يُغفر له، قلت: آمين )) .. قد يقول قائل .. لماذا الأم دون الأب!! .. قلت: لا شك أن فضل الأب كبير ولكن فضل الأم أكبر .. قال تعالى: ? وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ? ..
قال ابن عطية: ذكر الله الأم في هذه الآية في أربع مراتب والأب بمرتبة واحدة جمعه مع الأم في قوله ? بِوَالِدَيْهِ ? ثم ذكر الحمل للأم، ثم الوضع لها، ثم الرضاع الذي عبر عنه