أيها المسلمونَ: ليسَ هناكَ أبلغُ من كتابِ اللهِ تعالى وهو يَصِفُ لنا جزءًا من معاناةِ أمهاِتنا حالَ حملِهن بنا وإرضاعِهن لنا، يقولُ تعالى في كتابِه الكريمِ: [وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا] {الأحقاف:15} ، فتأملْ رعاكَ اللهُ وصيةَ الربِ الرحيمِ، وهو يُذكِرُ بحالةِ العَنتِ والمشقةِ، والألمِ والنصبِ، التي قاستها الأمُ الحنونُ وهي تَحمِلُ جَنِينَها في أحشَائِها تسعةَ أشهرٍ، ذلك الحملُ الذي أقضَّ مضاجِعها، وأسهرَ ليلها، واوهنَ قواها، تسعةُ أشهرٍ وهي تقاسي ثِقَلَ الحملِ وشِدِّتَه وعُسرَه، تسعةُ أشهر كأنها الدهرُ كلُّه، وهي ما بَينَ إعياءٍ وإغماءٍ، وكَربٍ وبَلاءٍ، ثم بعدَ ذلكَ الجهدِ الجَهيدِ، والعناءِ الرهيبِ، تأتي أشدُ ساعاتِ الكربِ والألمِ، ساعةُ وضعِ الأم لجنِينها وفَلذَةِ كَبِدِها، تلك الساعةٌ التي ترى فيها الأم الموتَ بعينيِها، وتكاد أنََ تُسلم الروحََ لبارِئِها، فما أعظمَ معاناتِها! وما أشدَّ صرخاتِها! فإذا فرَّجَ اللهُ كُربَة الأم بخروجِ طِفلِها الذي كادَ يقتُلها، تبدأَ بعدَ ذلكَ مشوارَها الطويلَ لإرضاعِ صبيِها، عامينَ كاملينِ وهو يَمتصُ عُصارًةَ غِذائِها وخُلاصةَ صِحَتِها، حتى أنهكَ بدَنها، واتعبَ رُوحَها، وهكذا تَظلُ الأمُ العُمُرََ كلَّه، وهي تُشفقُ على وليدِها، تَرعاهُ وتُغدقِه بعطفِها، وتُحيطه بحَنانِها، تَسهر لسَهَرِه، وتَبكي لبكائِه، وتنقطعُ لألمِه ومرضِه، ولا يزالُ هذا دأبُها مع ابنِها، مهما كَبُرَ سِّنه واشتَّدَ عُودُه، يَظلُ شجرةَ فؤادها، وقِطعةَ كبِدِها ، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما"جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها"