الخطبةُ الثانيةُ
عباد الله: إن بر الوالدة والإحسان إليها لا يعني خرق حدود الشريعة أو تجاوزها لأجلها، فلا تطاع الأم في معصية الله تعالى، ولا يقدم قولها على قول الله ورسوله، ولا يجوز لنا أن نتشبه بأهل الكفر في طقوسهم تجاه أمهاتهم، حيث يخصصون لها يومًا في السنة للبر بها والإحسان إليها يسمونه يوم الأم ، ولا يخفى أن هذه البدع المحدثة ليست من نهج الإسلام في شيء ، وفيها تقليد لأهل الكفر الذين نهينا عن التشبه بهم وأمرنا بمخالفتهم ومن أبى فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم"من تشبه بقوم فهو منهم".
عبدَ اللهِ: إن من حَقِ الوالدينِ البرَ بهما والإحسانَ إليهما، والإنفاقَ عليهما ، والتوخي لشهواتهما ، والمبالغة في خدمتهما ، واستعمال الأدب والهيبة لهما ، فلا يرفع الولد صوته عليهما، ولايحدق بنظره إليهما، ولا يدعوهما باسميهما ، ويمشي ورائهما، ويصبر على ما يكره مما يصدر منهما إذا أقبلا على الكبرِ والشيخوخةِ، وسوفَ تَبلغُ عبد الله من الكِبرِ عندَ أبنائِكَ - إذا قَدَّر اللهُ لكَ البقاءُ - كما بَلغاهُ عِندَك، وسوفَ تَحتاجُ إلى بِرِ أبنائِكَ كما احتاجا إلى بِرِكَ، والجزاءُ من جِنسِ العَملِ."وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريما* واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا".
أيها المسلمونَ: إن مِنْ تَمامِ البرِ للوالدَينِ بعد وفاتهما الترحمَ عليهما والصدقةَ عنهما وصلةَ الرحمِ التي كانا يَصلانِها، جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلمَ فقالَ: هل بَقِيَ عليِّ مِن بِرِ أبويَّ شيءٌ أبُرُهُما به بعد وَفَاتِهما؟ قالَ صلى اللهُ عليه وسلمَ: نعم! الصلاةُ عليِهما، والاستغفارُ لهما، وإنفاذُ عهدِهما من بعدِهما، وصلةُ الرحمِ التي لا توصلُ إلا بهما، وإكرامُ صدِيقِهما. أخرجه أحمدُ وغيرُه.