الصفحة 582 من 632

عبد الله: أهكذا ينتهي الحال بأُمكَ التي حملتَك كُرهًا، ووضعتَك كُرهًا، ورأتَ الموتَ بعينِيها حينَ وِلادتِك؟، أهذا جزاء والدتك التي أرضعتكَ طَعامَها، ورَبتَّك في حِجرِها، وأزالتْ عنك الأذى بيمينيها؟

مسكينٌ أنتَ أيها العاقُ ، تَنامُ مِلءَ جَفنَيكَ وقد تَركتَ والدينِ ضعيفِينِ يَتجرعانِ من العقوقِ غُصصَا، ونسيت أو تناسيت أنكَ مُمُهَلٌ لا مُهملٌ، فعَاقبةُ العُقوقِ مُعجلةٌ لصاحبِها في الدِنيا قبل الآخرة ، يقولُ صلى اللهُ عليه وسلمَ فيما يروى عنه عند الحاكم وصححه:"كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلا عقوق الوالدين فإنه يعجل لصاحبه العقوبة قبل الممات"، ومِن عَجِيبِ ما ذُكرَ في جَزاءِ العاقِ ما ذَكرهُ ابنُ القيمِ في كتابِ الروحِ قالَ: قالَ أبو قَزعَةَ: مررنا في بعضِ المياهِ التي بيننا وبينَ البصرةِ فسمعنا نَهيِقَ حِمارٍ، فقلنا لهم: ما هذا النهيقُ؟ قالوا: هذا رجلٌ كانَ عندنا، كانتْ أمه تُكلِمهُ بالشيءِ فيقولُ لها: انِهقِي، فلما ماتَ سُمِعَ هذا النَهيقُ من قَبرِه كلَ ليلةٍ.

عبد الله:

لأمكِ حقٌ لو عَلمِتَ كثيرُ * كَثيِرُكَ يا هذا لدِيه يَسيِر

فكم ليلةِ باتتْ بِثُقلِكَ تَشتَكِي * لها من جَواها أنةٌ وزفيرُ

وفي الوضعِ لو تَدري عليها مشقةٌ * فمِن غُصصٍ منها الفؤادُ يِطيرُ

وكم غَسَلت عنَك الأذى بيمينيها * وما حِجرُها إلا لديكَ سَرِيرُ

وتَفدِيكَ مما تَشتِكيِه بنفسِها * ومن ثديها شِربٌ لدَيكَ نَميرُ

وكم مرةٍ جاعتْ وأعطتكَ قوتَها * حنانًا وإشفاقًا وأنتَ صَغيرُ

فآهٍ لذي عقلٍ ويَتبِع الهوى * وآهٍ لأعمى القلبِ وهو بَصيرُ

فدُونَكَ فارغبْ في عَمِيمِ دُعائِها * فأنتَ لما تدعو إليه فَقيرُ

اللهم يا حيُ يا قيومُ اجعلنا ممَّن بَرَّ والِدَيهِ فَبَرَّهُ أبناؤُهُ يا ذا الجلالِ والإكرامِ.

أقولُ ما تسمعونَ عبادَ اللهِ، واستغفرُ اللهَ العظيمَ الجليلَ لي ولكم فاستغفِرُوه، إنه كان غفورًا رحيمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت