الصفحة 71 من 1202

إصلاح اللفظ

عقد له ابن جنّي بابا في (الخصائص) (1) قال: اعلم أنه لما كانت الألفاظ للمعاني أزمّة وعليها أدلّة وإليها موصلة وعلى المراد بها محصّلة، عنيت بها وأوليتها صدرا صابحا من تثقيفها وإصلاحها. فمن ذلك قولهم: (أما زيد فمنطلق) ألا ترى أن تحرير هذا القول إذا صرّحت بلفظ الشرط فيه صرت إلى أنك كأنك قلت: مهما يكن من شيء فزيد منطلق، فتجد الفاء في جواب الشرط في صدر الجزأين مقدمة عليها وأنت في قولك: أما زيد فمنطلق، إنما تجد الفاء واسطة بين الجزأين، ولا تقول: أمّا زيد منطلق، كما تقول فيما هو بمعناه: مهما يكن من شيء فزيد منطلق، وإنما فعل ذلك لإصلاح اللفظ، وووجه إصلاحه أن هذه الفاء وإن كان جوابا ولم تكن عاطفة، فإنما هي على لفظ العاطفة وبصورتها فلو قالوا: أمّا فزيد منطلق، كما يقولون مهما يكن من شيء فزيد منطلق لوقعت الفاء الجارية مجرى فاء العطف بعدها اسم وليس قبلها اسم وإنما قبلها في اللفظ حرف وهو (أما) ، فتنكبوا ذلك لما ذكرنا ووسطوها بين الجزأين ليكون قبلها اسم وبعدها آخر فتأتي على صورة العاطفة فقالوا: أما زيد فمنطلق، كما تأتي عاطفة بين الاسمين في نحو: قام زيد فعمرو، ومثله امتناعهم أن يقولوا: انتظرتك وطلوع الشمس أي: مع طلوع الشمس فينصبوه على أنه مفعول معه، كما ينصبون نحو (قمت وزيدا) أي: مع زيد.

قال أبو الحسن: وإنما ذلك لأن الواو التي بمعنى (مع) لا تستعمل إلا في الوضع الذي لو استعملت فيه عاطفة لجاز، ولو قلت: انتظرتك وطلوع الشمس، أي: وانتظرتك طلوع الشّمس لم يجز، أفلا ترى إلى إجرائهم الواو غير العاطفة في هذا مجرى العاطفة، فكذلك أيضا تجري الفاء غير العاطفة في نحو: أما زيد فمنطلق مجرى العاطفة، فلا يؤتى بعدها بما لا شبيه له في جواز العطف عليه قبلها، ذلك قولهم في جمع تمرة وبسرة ونحو ذلك تمرات وبسرات، وكرهوا إقرار التاء تناكرا لاجتماع علامتي تأنيث في لفظ اسم واحد، فحذفت وهي في النية مرادة البتة، لا لشيء إلا لإصلاح اللفظ لأنها في المعنى مقدرة منويّة، ألا ترى أنك إذا قلت تمرات لم يعترض شك في أن الواحدة منها تمرة وهذا واضح، فالعناية إذا في الحذف إنما هي بإصلاح اللفظ إذ المعنى ناطق بالتاء مقتض لها حاكم بموضعها.

ومن ذلك قولهم: إنّ زيدا لقائم، فهذه لام الابتداء، وموضعها أول الجملة

(1) انظر الخصائص (1/ 312) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت