الصفحة 877 من 1202

فعطف الأمر على الدّعاء، وهذا كثير، وقد قال سيبويه (1) في باب ما ينصب فيه الاسم لأنّه لا سبيل له إلى أن يكون صفة: «واعلم أنّه لا يجوز: من عبد الله، وهذا زيد الرّجلين الصّالحين، رفعت أو نصبت، لأنّك لا تثني إلّا على من أثبتّه وعلمته، ولا يجوز أن تخلط من تعلم ومن لا تعلم، فتجعلها بمنزلة واحدة، وإنّما الصّفة علم فيمن قد علمته» ، فأبطل جواز هذه المسألة من جهة جمع الصّفتين، ولم يبطلها من أجل عطف الخبر على الاستفهام، ووافقه جميع النحويين على هذه المسألة، وإنّما كان ذلك لأنّ الجمل لا يراعى فيها التشاكل في المعاني ولا في الإعراب، وقد استعمل بديع الزمان عطف الدعاء على الخبر في بعض مقاماته، وهو قوله (2) : «ظفرنا بصيد وحيّاك الله أبا زيد» وما نعلم أحدا أنكر ذلك عليه، وإذا كان التشاكل يراعى في أكثر المفردات كان أجدر ألّا يراعى في الجمل، ألا ترى أنّ العرب تعطف المعرب على المبنيّ والمبنيّ على المعرب، وما يظهر فيه الإعراب على ما لا يظهر؟ وفي هذا الموضع شيء يجب أن يوقف عليه، وذلك أن قول النحويين، بأنّ الواو تعطف ما بعدها على ما قبلها لفظا ومعنى كلام خرج مخرج العموم، وهو في الحقيقة خصوص، وإنّما تعطف الواو الاسم على الاسم في نوع الفعل أو في جنسه لا في كميته ولا كيفيته، ألا ترى أنّك إذا قلت: ضربت زيدا وعمرا قد يجوز أن تضرب زيدا ضربة واحدة وعمرا ضربتين وثلاثا فتختلف الكميتان؟ وكذلك يجوز أن تضرب زيدا جالسا وعمرا قائما فتختلف الكيفيتان، ويبيّن ذلك قول العرب: إيّاك والأسد، فيعطفون الأسد على ضمير المخاطب، والفعل الناصب لهما مختلف المعنى، لأنّ المخاطب مخوف والأسد مخوف منه، فجاز العطف وإن اختلف نوعا التخويف، لأنّ جنس التخويف قد انتظمهما، ونحو منه قوله تعالى: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ) [يونس: 71] ، لأنّ الإجماع على الأمر وهو العزم عليه والجمع الذي يراد به ضمّ الأشياء المتفرّقة وإن اختلف نوعاهما فإنّ لهما جنسا يجتمعان فيه، ألا ترى أنّهما جميعا يرجعان إلى معنى الصّيرورة والانجذاب؟ ألا ترى أنّ من عزم على الشيء فقد انجذب إليه، وصار كما أنّ الأشياء المتفرقة إذا جمعت انجذب بعضها إلى بعض وصار كلّ واحد منها إلى الآخر؟ وكذلك قول الشاعر (3) : [مجزوء الكامل]

يا ليت زوجك قد غدا ... متقلّدا سيفا ورمحا

(1) انظر الكتاب (2/ 55) .

(2) انظر مقامات الهمذاني، المقامة البغدادية (20) .

(3) مرّ الشاهد رقم (138) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت