الصفحة 879 من 1202

على ذلك أنّ النحويين يجيزون: مررت برجل قائم زيد وأبوه، ولا يجيزون: مررت برجل قائم زيد وقائم أبوه، لأنّ الكلام الأوّل جملة واحدة، فاكتفي فيها بضمير واحد يعود إلى الموصوف، والثانية تجري مجرى جملتين، فلا بدّ في كل واحدة منهما من ضمير، وكذلك يجيزون: زيد قام عمر وأبوه، ولا يجيزون: زيد قام عمر وقام أبوه، لتعرّي الجملة الواحدة من ضمير يعود إلى المبتدأ.

الكلام في قوله تعالى: (وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ)

سألت عن قول الله تعالى: (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران: 183] ، وقلت بأيّ شيء انتصب «قائما» وما العامل فيه؟ وأين خبر التبرئة من هذه الآية؟ وذكرت أنّ بعض المنتحلين لصناعة النحو أنكر قولنا: إنّ «قائما» هاهنا منصوب على الحال، وزعم أنه كفر من قائله، وإنما قال ذلك فيما يرى لأنّ الحال فيما ذكر النحويون منتقلة وفضلة في الكلام، والقيام بالقسط صفة لله تعالى لم يزل موصوفا بها ولا يزال، ولا يصحّ فيها الانتقال، ونحن نربأ بأنفسنا أن نكون ممّن يجهل ما يوصف به الله تعالى فنصفه بما لا يجوز، أو يغيب عنّا هذا المقدار من علم اللسان، وإنما أتي هذا المعترض من قلّة بصره بهذه الصناعة وسوء فهمه لباب الحال، وقد أجبتك عن ذلك بما فيه كفاية وإقناع، وبالله أستعين وعليه أتوكّل.

أما خبر التبرئة في هذه الآية فمحذوف تقديره عند البصريين لا إله في الوجود إلّا هو، أو لا إله موجود إلّا هو، ونحو ذلك من التقدير، وخبر التبرئة قد يحذف إذا كان في الكلام دليل عليه، كقولهم: لا بأس يريدون: لا بأس عليك وكقول عبد يغوث الحارثي: [الطويل]

577 ـ فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن ... نداماي من نجران أن لا تلاقيا

أراد أنه لا تلاقي لنا، وقوله: «هو» بدل من موضع لا وما عملت فيه لأنّ التبرئة وما تعمل فيه في موضع رفع على الابتداء، وهي في ذلك بمنزلة إنّ وما تعمل فيه،

577 ـ الشاهد لعبد يغوث بن وقاص في الكتاب (2/ 201) ، وخزانة الأدب (2/ 194) ، وشرح اختيارات المفضّل (ص 767) ، وشرح التصريح (2/ 167) ، وشرح المفصّل (1/ 128) ، والعقد الفريد (5/ 229) ، ولسان العرب (عرض) ، والمقاصد النحوية (4/ 206) ، وبلا نسبة في خزانة الأدب (1/ 413) ، ورصف المباني (ص 137) ، وشرح الأشموني (2/ 445) ، وشرح ابن عقيل (ص 515) ، وشرح قطر الندى (ص 203) ، والمقتضب (4/ 204) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت