الصفحة 1502 من 2268

قال: ونظيره في النفي والإثبات قوله: (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى) (الأنفال: 17) .

قلت: المنفيّ أولا التأثير، والمثبت ثانيا نفس الفعل.

ومن هذه القاعدة يزول الإشكال في قوله: (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) (المائدة: 67) والمعنى: إن لم تفعل بمقتضى ما بلغت فأنت في حكم غير المبلّغ، كقولك لطالب العلم إن لم تعمل بما علمت فأنت لم تعلم شيئا، أي في حكم من لم يعلم.

ومنه نفي الشيء مقيدا والمراد نفيه مطلقا؛ وهذا من أساليب العرب يقصدون به المبالغة في النفي وتأكيده، كقولهم: فلان لا يرجى خيره، ليس المراد أن فيه خيرا لا يرجى، [وإنما] (1) غرضهم أنه (2) لا خير فيه على وجه من الوجوه.

ومنه: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍ) (آل عمران: 21) فإنه يدلّ أنّ قتلهم لا يكون إلا بغير حقّ، ثم وصف القتل بما لا بد أن يكون [عليه] (1) من الصفة، [235 / أ] وهي وقوعه (3) على خلاف الحق.

وكذلك قوله: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ) (المؤمنون: 117) إنها وصف لهذا الدعاء، وأنه لا يكون إلا [عن] (4) غير برهان.

وقوله: (وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ) (البقرة: 41) ، تغليظ وتأكيد في تحذيرهم الكفر.

وقوله: (وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) (البقرة: 41) ؛ لأنّ كلّ ثمن لها لا يكون إلا قليلا، فصار نفي الثمن القليل نفيا لكل ثمن.

وقوله تعالى: (لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا) (البقرة: 273) ، فإنّ ظاهره نفي الإلحاف في المسألة، والحقيقة نفي المسألة البتة؛ وعليه أكثر المفسرين، بدليل قوله: (يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) (البقرة: 273) ، ومن لا يسأل لا يلحف قطعا؛ ضرورة أنّ نفي الأعمّ يستلزم نفي الأخصّ.

(1) ليست في المطبوعة.

(2) في المخطوطة (أن) .

(3) تصحفت في المخطوطة إلى (قوله) .

(4) ليست في المخطوطة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت