فهرس الكتاب
العذاب، نظير جمع الريح في الرحمة، وإفرادها في العذاب. وأيضا فالنار دار حبس والغاضب يجمع جماعة من المحبوسين في موضع واحد؛ أنكد لعيشهم، والكريم لا يترك ضيفه، ولا سيّما إذا كان للدوام؛ إلا في دار مفردة مهيأة له وحده (1) [فالنّار لكلّ مذنب، ولكل مطيع جنّة، فجمع الجنان ولم يجمع النار.
ومنها: جمع «الآيات» في موضع وإفرادها] (1) في آخر، فحيث جمعت فلجمع الدلائل، وحيث وحدت فلوحدانية المدلول عليه؛ لما يخرج عن ذلك. ولهذا قال في الحجر (2) : ( [إِنَ] (1) فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) (الآية: 75) ثم قال: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) (الآية: 77) فلما ذكر صفة المؤمنين بالوحدانية، وحدّ الآية؛ وليس لها نظير إلا في العنكبوت، وهو قوله: (خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً) (الآية: 44) ومنها مجيء المشرق والمغرب في القرآن تارة بالجمع، وأخرى بالتثنية، وأخرى بالإفراد، لاختصاص كلّ مقام بما يقتضيه. فالأول كقوله: (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ) (المعارج: 40) والثاني كقوله: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) (الرحمن: 17) والثالث قوله: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ) (المزّمّل: 9) .
فحيث جمع كان المراد أفقي (3) المشرق والمغرب، وحيث ثنّيا كان المراد مشرقي صعودها وارتفاعها؛ فإنها تبتدئ صاعدة، حتى تنتهي إلى غاية أوجها وارتفاعها؛ فهذا مشرق صعودها وارتفاعها؛ وينشأ منه فصلا الخريف والشتاء، فجعل مشرق صعودها بجملته مشرقا واحدا، ومشرق هبوطها بجملته مشرقا واحدا، ومقابلهما مغربا. وقيل: هو إخبار عن الحركات الفلكية، متحركة بحركات متداركة، لا تنضبط لخطّة ولا تدخل تحت قياس؛ لأن معنى الحركة انتقال الشيء من مكان إلى آخر، وهذه صفة الأفلاك [251 / أ] قال تعالى: (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ... ) (يس: 40) الآية.
فهذا وجه اختلاف هذه الألفاظ بالإفراد والتثنية والجمع، وقد أجرى الله العادة أنّ القمر
(1) ليست في المخطوطة.
(2) تصحفت في المخطوطة إلى (الحجرات) .
(3) تصحفت في المطبوعة إلى (المراد ففي) والتصويب من المخطوطة.