الصفحة 1629 من 2268

الحق سبحانه، والمذموم ظاهرا ـ وهو قتل الغلام بغير حق ـ عائدا عليه. وفي إقامة الجدار كان خيرا محضا، فنسبه للحق فقال: (فَأَرادَ رَبُّكَ) ، ثم بيّن أن الجميع من حيث العلم التوحيديّ من الحق، بقوله: (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) (الكهف: 82) .

وقال ابن عطية: إنما أفرد أولا في الإرادة لأنها لفظ غيب، وتأدّب بأن لم يسند الإرادة فيها [إلاّ] (1) إلى نفسه، كما تأدب إبراهيم عليه السلام في قوله: (وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (الشعراء: 80) ، فأسند الفعل قبل وبعد إلى الله [تعالى] ، وأسند المرض إلى نفسه، إذ هو معنى نقص ومعابة (2) ، وليس من جنس النعم المتقدمة.

وهذا النوع مطّرد في فصاحة القرآن كثيرا، ألا ترى إلى تقديم فعل البشر في قوله تعالى: (فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) (الصف: 5) ! وتقديم فعل الله في قوله تعالى: (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) (التوبة: 118) : وإنما قال الخضر في الثانية: (فَأَرَدْنا) ، لأنه قد أراده الله وأصحابه الصالحون، وتكلم فيه في معنى الخشية على الوالدين، وتمنّى التبديل لهما؛ وإنما أسند الإرادة في الثالثة إلى الله تعالى لأنها أمر مستأنف في الزمن الطويل، غيب من الغيوب، فحسن إفراد [260 / أ] هذا الموضع بذكر الله تعالى.

4 ـ / 61 ومثله قول مؤمني الجن: (وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) (الجن: 10) ، فحذف الفاعل في إرادة الشر تأدبا مع الله، وأضافوا إرادة الرشد إليه.

وقريب من هذا قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام، في خطابه لمّا اجتمع أبوه وإخوته: (إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) (يوسف: 100) ، ولم يقل: «من الجبّ» مع أن الخروج منه أعظم من الخروج من السجن.

وإنما آثر ذكر السجن لوجهين [ذكرهما ابن عطية] (3) :

أحدهما: أنّ في ذكر الجبّ تجديد فعل إخوته، وتقريعهم بذلك [وتقليع نفوسهم] (4) ، وتجديد تلك الغوائل [وتخييب النفوس] (4) والثاني: أنه خرج من الجبّ إلى الرق، ومن السجن إلى الملك، والنعمة هنا أوضح انتهى.

(1) ليست في المخطوطة.

(2) في المخطوطة (معنى نقص ومصيبة) .

(3) ليست في المخطوطة.

(4) ليست في المطبوعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت