فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 357

الأحوال والتغيرات التى تلحقه. فمن الذى يحكم (1) بأن الماء والنار أو أحد هذه مبدأ.

وأما الذين جعلوا الإدراك بالعددية فقالوا لأن المبدأ لكل شئ عدد، بل قالوا ماهية كل شئ عدد، وحدّه عدد، وهؤلاء وإن كنا قد دللنا على بطلان رأيهم في المبدأ في موضع أخر، وسندلّ في صناعة الفلسفة الأولى (2) أيضا على استحالة رأيهم هذا وما أشبهه، فإن مذهبهم هاهنا نزيّفه من حيث النظر الخاص بالنفس، وذلك بأن ننظر ونتأمل هل النفس إنما تكون نفسا بأنها عدد معين كأربعة أو خمسة، أو بأنها مثلا زوج أو فرد أو شئ أعم من عدد معين.

فإن كانت النفس إنما هى ما هى بأنها عدد معين، فما يقولون في الحيوان المخرز (3) الذى إذا قطع تحرك كل جزء منه وأحسّ، وإذا أحسّ فلا محالة هناك تخيل مّا (4) ، وكذلك كل جزء منه يأخذ في الهرب إلى جهة وتلك الحركة من تخيل ما لا محالة. ومعلوم أن الجزءين يتحركان عن قوتين فيهما، وأن كل واحد منهما أقل من العدد الذى كان في الجملة، وإنما كان النفس عندهم العدد الذى في الجملة لا غير، فيكون هذان الجزءان يتحركان لا عن نفس وهذا محال، بل في كل واحد منهما نفس من نوع نفس الآخر، فنفس مثل هذا الحيوان واحدة بالفعل، متكثرة

(1) كما في جميع النسخ التى عندنا. وذلك لأن الحكم فرع ادراك الطرفين فاذا لم يدرك احدهما فكيف يحكم على شيء بشيء.

(2) ج 2 ص 70 ـ ط 1.

(3) المخرز كمعظّم: كل طائر على جناحيه نمنمة أى نقش.

(4) اى فاعل بالقصد، اذ ليس عن طبع والاّ لما اختلفت، ولا عن قسر لعدم القاسر فهو عن التخيل والقصد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت