فهرس الكتاب

الصفحة 542 من 793

واشتد في أرض حميان، وتداولت الحملات من المسلمين على المحلّة من كل جانب ومكان، وكان ذلك في فصل الصيف فاشتد على الفريقين القيظ الحار، والمحلّة ماشية كأنها داخلة في وسط النار لكون قدور بالمخفي تقدّم إلى المرجة فأوقدها بالنار، فكم من ميت مات في ذلك اليوم بالرصاص والنغش وكم من آخر مات بالعياء والعطش، وأسرف جيش الأمير في تلك المحلّة بالقتل والأسر وسبي الأموال، وهي مبادرة في مشيها للبحر ناحية المقطع بغير الانفصال واتفق الأمر أن الأدلة الذين يمشون بالمحلّة قد ذهلوا عن الطريق، فتركوها ميسرة ومشوا ميمنة إلى أن دخلوا في المرجة فحصلت العجلات في الوحل لفقد الطريق، وقد مسّ وقتئذ البعض من عسكر النصارى الرعب والهول، وتضاعفت العرب واشتد لها الصول، وهجمت على المحلّة هجوما عنيفا، وتقدّمت لها تقدّما كثيفا، وتسارعت لها بالقتل والنهب، وشدة الطعن والضرب وتيسّرت لها سائر الوجوه، وعظم الأمر على ذي العقل وأحرى المعتوه، ودارت طواجين المنايا على رؤوس الرّاجلة والفرسان وتطايرت الرؤوس بذلك عن الأبدان، وصارت القتلى من الجانبين تحت أرجل الخيل متداثرة، وزهت العرب وصارت عقولها مستنيرة متكاثرة، وقذف الله الخوف في قلوب من بقي حول العجلات، ففرّوا هاربين لاحقين بمتقدم المحلّة من غير التفات، إلى أن لحقوا بها بقصد المسالك وكانت المحلّة مفترقة / على ربوات هناك، وصارت كبراء المحلّة في غم ولم يجدوا سبيلا للنجات (كذا) ، وكل من مات من النصارى قطعت العرب رأسه، ونهبوا المحلّة ولم يمنع من قراريطها إلا واحدة ونكّس كل واحد من النصارى رأسه.

قال العلامة السيد الحاج أحمد بن عبد الرحمان الصديقي في كتابه، وكان من الحاضرين للواقعة بغير ارتيابه، وو الله إني رأيت الحجلة تطير يمينا وشمالا في أرض حميان، ولا تجد منفذا ولا مسلكا حتى تنزل في حجر الراكب أو على رأسه بالعيان، والأرنب والذئب (كذا) ليجريان كذلك ولا يجدان مأوى يخلصهما من الأسر والقتل، حتى يقفان رأسا من غير ممسك بتحقيق النقل.

قال: ثم بعد هنيئة من الزمان حصل الكلام من كبراء النصارى لبعضهم بعض فنقرت ما لهم من الطبول، وغنت ما لهم من المزامر بحنينها المقبول، ونهضت المحلّة قائمة مجتمعة على ساق، وبرزت للقتال جميعا من غير تراخ ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت