الصفحة 1231 من 1671

صاحبتها علم المدنية، وصواحب غيرها إليهنّ تنسب دار المدنيات بالقصر، وكان يؤثرهنّ لجودة غنائهنّ ونصاعة ظرفهنّ ورقّة أدبهنّ، وتضاف إليهن جارية (1) قلم وهي ثالثة فضل وعلم في الحظوة عند الأمير المذكور، وكانت أندلسية الأصل، رومية من سبي البشكنس، وحملت صبيّة إلى المشرق، فوقعت بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وتعلّمت هنالك الغناء فحذقته (2) ، وكانت أديبة، ذاكرة، حسنة الخطّ، راوية للشعر، حافظة للأخبار، عالمة بضروب الآداب.

76 ـ ومن النساء الداخلات إلى الأندلس من المشرق قمر جارية إبراهيم بن حجاج اللخمي، صاحب إشبيلية.

وكانت من أهل الفصاحة والبيان، والمعرفة بصوغ الألحان، وجلبت إليه من بغداد، وجمعت أدبا وظرفا، ورواية وحفظا، مع فهم بارع، وجمال رائع، وكانت تقول الشعر بفضل أدبها، ولها في مولاها تمدحه: [بحر الكامل]

ما في المغارب من كريم يرتجى ... إلّا حليف الجود إبراهيم ...

إنّي حلّلت لديه منزل نعمة ... كلّ المنازل ما عداه ذميم

وأنشد لها السالمي لمّا ذكرها عدّة أشعار: منها قولها تتشوّق إلى بغداد: [بحر الكامل]

آها على بغدادها وعراقها ... وظبائها والسحر في أحداقها ...

ومجالها عند الفرات بأوجه ... تبدو أهلّتها على أطواقها ...

متبخترات في النعيم كأنّما ... خلق الهوى العذريّ من أخلاقها (3) ...

نفسي الفداء لها فأيّ محاسن ... في الدهر تشرق من سنا إشراقها

77 ـ ومنهن الجارية العجفاء (4) .

قال الأرقمي: قال لي أبو السائب، وكان من أهل الفضل والنّسك: هل لك في أحسن الناس غناء؟ فجئنا إلى دار مسلم بن يحيى مولى بني زهرة، فأذن لنا فدخلنا بيتا عرضه اثنا عشر ذراعا في مثلها، وطوله في السماء ستة عشر ذراعا، وفي البيت نمرقتان قد ذهب عنهما

(1) كذا في الأصول. ولعل الأصل «جاريته قلم» أو «جارية تسمى قلم» .

(2) حذقته: أتقنته.

(3) الهوى العذري: المنسوب إلى قبيلة عذرة، وهي قبيلة اشتهر فتيانها وفتياتها بالعشق الطاهر العفيف، ورقة القلوب، ولذا قيل عن كل حب طاهر إنه عذري.

(4) انظر الأغاني ج 23 ص 282.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت