الصفحة 1232 من 1671

اللّحمة وبقي السّدى، وقد حشيتا بالليف، وكرسيّان قد تفكّكا من قدمهما، ثم اطلعت علينا عجفاء كلفاء، عليها قرقل هرويّ أصفر غسيل، وكأنّ وركيها في خيط من وسخها، فقلت لأبي السائب: بأبي أنت! ما هذه فقال: اسكت، فتناولت عودا فغنّت (1) : [بحر الكامل]

بيد الذي شغف الفؤاد بكم ... تفريج ما ألقى من الهمّ (2) ...

فاستيقني أن قد كلفت بكم ... ثم افعلي ما شئت عن علم ...

قد كان صرم في الممات لنا ... فعجلت قبل الموت بالصرم

قال: فتحسّنت في عيني، وبدا ما أذهب الكلف عنها، وزحف أبو السائب وزحفت معه، ثم تغنّت: [بحر الكامل]

برح الخفاء فأيّما بك تكتم ... ولسوف يظهر ما تسرّ فيعلم ...

ممّا تضمّن من عزيز قلبه ... يا قلب إنك بالحسان لمغرم ...

يا ليت أنّك يا حسام بأرضنا ... تلقي المراسي طائعا وتخيّم ...

فتذوق لذة عيشنا ونعيمه ... ونكون إخوانا فماذا تنقم

فقال أبو السائب: إن يقم هذا فأعضّه الله تعالى بكذا وكذا من أبيه، ولا يكني، فزحفت مع أبي السائب حتى فارقنا النمرقتين، وربت العجفاء في عيني كما يربو السويق بماء مزنة، ثم غنّت: [بحر المنسرح]

يا طول ليلي أعالج السّقما ... إذ أدخل كلّ الأحبّة الحرما (3) ...

ما كنت أخشى فراقكم أبدا ... فاليوم أمسى فراقكم عزما

فألقيت طيلساني، وأخذت شاذكونة (4) فوضعتها على رأسي، وصحت كما يصاح على اللوبيا بالمدينة، وقام أبو السائب فتناول ربعة في البيت فيها قوارير ودهن، فوضعها على رأسه، وصاح صاحب الجارية وكان ألثغ: قوانيني، يعني قواريري، فاصطكّت القوارير وتكسّرت، وسال الدهن على رأس أبي السائب وصدره، وقال للعجفاء: لقد هجت لي داء قديما، ثم

(1) الشعر لأبي صخر الهذلي. انظر الأغاني ج 23 ص 282.

(2) في أ «بيد الذي شعف» ، بالعين المهملة، وكلاهما صحيح.

(3) أعالج السقما: أداوي المرض.

(4) الشاذكونة: المضربة الكبيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت