الصفحة 1246 من 1671

وتدبيرهم لتركيب الشجر، وتحسينهم للبساتين بأنواع الخضر وصنوف الزهر، فهم أحكم الناس لأسباب الفلاحة، ومنهم ابن بصال صاحب «كتاب الفلاحة» الذي شهدت له التجربة بفضله، وهم أصبر الناس على مطاولة التعب في تجويد الأعمال ومقاساة النّصب (1) في تحسين الصنائع، أحذق الناس بالفروسية، وأبصرهم بالطعن والضرب.

وعدّ، رحمه الله تعالى، من فضائلهم اختراعهم للخطوط المخصوصة بهم، قال: وكان خطّهم أولا مشرقيّا، انتهى.

قال ابن سعيد: أمّا أصول الخطّ المشرقي وما تجد له في القلب واللحظ من القبول فمسلّم له، لكن خطّ الأندلس الذي رأيته في مصاحف ابن غطوس الذي كان بشرق الأندلس وغيره من الخطوط المنسوبة عندهم له حسن فائق، ورونق آخذ بالعقل، وترتيب يشهد لصاحبه بكثرة الصبر والتجويد، انتهى.

ونحو صدر كلام ابن غالب السابق مذكور في رسالة لابن حزم، وقال فيها: إنّ أهل الأندلس صينيون في إتقان الصنائع العملية، وإحكام المهن الصورية، تركيّون في معاناة الحروب، ومعالجات آلاتها (2) ، والنظر في مهماتها، انتهى.

وعدّ ابن غالب من فضائلهم اختراعهم للموشّحات التي قد استحسنها (3) أهل المشرق وصاروا ينزعون منزعها، وأمّا نظمهم ونثرهم فلا يخفى على من وقف عليهما علوّ طبقاتهم.

ثم قال ابن غالب: ولمّا نفذ قضاء الله تعالى على أهل الأندلس بخروج أكثرهم عنها في هذه الفتنة الأخيرة المبيرة (4) تفرّقوا ببلاد المغرب الأقصى من برّ العذرة مع بلاد إفريقية، فأمّا أهل البادية فمالوا في البوادي إلى ما اعتادوه، وداخلوا أهلها، وشاركوهم فيها، فاستنبطوا المياه (5) ، وغرسوا الأشجار، وأحدثوا الأرحيّ (6) الطاحنة بالماء وغير ذلك، وعلّموهم أشياء لم يكونوا يعلمونها ولا رأوها، فشرفت بلادهم، وصلحت أمورهم، وكثرت مستغلّاتهم، وعمّتهم الخيرات، فهم أشبه الناس باليونانيين فيما ذكرت ولأنّ اليونانيين سكنوا الأندلس فورثوا عنهم ذلك، وأمّا أهل الحواضر فمالوا إلى الحواضر واستوطنوها، فأما أهل الأدب فكان منهم الوزراء والكتّاب والعمّال وجباة الأموال والمستعملون في أمور المملكة، ولا يستعمل بلدي ما وجد أندلسي، وأما أهل الصنائع فإنهم فاقوا أهل البلاد، وقطعوا معاشهم، وأخملوا

(1) النصب: التعب.

(2) في ب: «ومعالجة آلالتها» .

(3) سقطت «قد» من بعض النسخ.

(4) المبيرة: المهلكة.

(5) استنبطوا المياه: استخرجوها.

(6) الأرحي: جمع رحى، وهي الطاحون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت