الصفحة 1247 من 1671

أعمالهم (1) ، وصيّروهم أتباعا لهم، ومتصرّفين بين أيديهم، ومتى دخلوا في شغل عملوه في أقرب مدة، وأفرغوا فيه من أنواع الحذق والتجويد ما يميلون به النفوس إليهم، ويصير الذكر لهم، قال: ولا يدفع هذا عنهم إلّا جاهل أو مبطل، انتهى.

وقال ابن سعيد، لمّا ذكر جملة من محاسن الأندلسيين: يعلم الله تعالى أني ما أقصد إلّا إنصاف المنصفين الذين لا يميل بهم التعصّب، ولا يجمح بهم الهوى، ولكن الحق أحقّ أن يتّبع، فلعلّ مطّلعا يقف على ما ذكره ابن غالب: فيقول: هذا الرجل تعصّب (2) لأهل بلده، ثم يغمس التابع له والراضي بنقل قوله في هذه الصبغة ويحمله على ذلك بعده عن الأرضين: [الطويل]

ولو أبصروا ليلى أقرّوا بحسنها ... وقالوا بأني في الثناء مقصّر

ويكفي في الإنصاف أن أقول: إنّ حضرة مراكش هي بغداد المغرب، وهي أعظم ما في برّ العدوة، وأكثر مصانعها ومبانيها الجليلة وبساتينها إنما ظهرت في مدة بني عبد المؤمن، وكانوا يجلبون لها صناع الأندلس من جزيرتهم، وذلك مشهور معلوم إلى الآن. ومدينة تونس بإفريقية قد انتقلت إليها السعادة التي كانت في مراكش بسلطان إفريقية الآن أبي زكريا يحيى بن أبي محمد بن أبي حفص، فصار فيها من المباني والبساتين والكروم ما شابهت به بلاد الأندلس وعرفاء صناعه من الأندلس وتماثيله التي يبنى عليها، وإن كان أعرف خلق الله باختراع محاسن هذا الشأن، فإنما أكثرها من أوضاع الأندلسيين، وله من خاطره تنبيهات وزيادة ظهر حسن موقعها، ووجوه صنائع دولته لا تكاد تجدهم إلّا من الأندلس فصحّ قول ابن غالب، انتهى.

قال الحميدي: أنشد بحضرة بعض ملوك الأندلس قطعة لبعض أهل المشرق، وهي: [الطويل]

وما ذا عليهم لو أجابوا فسلّموا ... وقد علموا أني المشوق المتيّم (3) ...

سروا ونجوم الليل زهر طوالع ... على أنّهم بالليل للناس أنجم ...

وأخفوا على تلك المطايا مسيرهم ... فنمّ عليهم في الظلام التبسّم (4)

(1) في ج: «وأجملوا أعمالهم» .

(2) في ب: «فيقول: تعصب هذا الرجل» .

(3) في ه: «وما ذا عليهم لو أثابوا فسلّموا» .

(4) في ب: «فنمّ عليها في الظلام التبسّم» ، أي فضحهم في الليل التبسم للمعانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت