الصفحة 1248 من 1671

فأفرط بعض الحاضرين في استحسانها، وقال: هذا ما لا يقدر أندلسي على مثله، وبالحضرة أبو بكر يحيى بن هذيل (1) ، فقال بديها: [الطويل]

عرفت بعرف الريح أين تيمّموا ... وأين استقلّ الظاعنون وخيّموا ...

خليليّ، ردّاني إلى جانب الحمى ... فلست إلى غير الحمى أتيمّم ...

أبيت سمير الفرقدين كأنما ... وسادي قتاد أو ضجيعي أرقم (2) ...

وأحور وسنان الجفون كأنّه ... قضيب من الريحان لدن منعّم ...

نظرت إلى أجفانه وإلى الهوى ... فأيقنت أني لست منهنّ أسلم ...

كما أنّ إبراهيم أوّل نظرة ... رأى في الدرّاري أنه سوف يسقم (3)

ومن كلام ابن بسام صاحب «الذخيرة» في جزيرة الأندلس: أشراف عرب المشرق افتتحوها، وسادات أجناد الشام والعراق نزلوها، فبقي النسل فيها بكلّ إقليم، على عرق كريم، فلا يكاد بلد منها يخلو من كاتب ماهر، وشاعر قاهر.

وذكر أن أبا علي البغدادي، صاحب الأمالي، الوافد على الأندلس في زمان بني مروان قال: لمّا وصلت القيروان وأنا أعتبر من أمرّ به من أهل الأمصار فأجدهم درجات في العبارات وقلّة الفهم، بحسب تفاوتهم في مواضعهم منها بالقرب والبعد، كأنّ منازلهم من الطريق هي منازلهم من العلم محاصّة ومقايسة. قال أبو علي: فقلت إن نقص أهل الأندلس عن مقادير من رأيت في أفهامهم بقدر نقصان هؤلاء عمّن قبلهم فسأحتاج إلى ترجمان، في هذه الأوطان. قال ابن بسام: فبلغني أنه كان يصل كلامه هذا بالتعجّب من أهل هذا الأفق الأندلسي في ذكائهم، ويتغطّى عنهم عند المباحثة والمناقشة (4) ، ويقول لهم: إنّ علمي علم رواية، وليس علم (5) دراية، فخذوا عنّي ما نقلت، فلم آل لكم أن صحّحت. هذا مع إقرار الجميع له يومئذ بسعة العلم وكثرة الروايات، والأخذ عن الثقات، انتهى.

ومن كلام الحجاريّ في «المسهب» د:

(1) كذا في أ، ب، ج. وفي ه: «أبو بكر بن يحيى بن هذيل» .

(2) القتاد: شجر صلب له شوك كالإبر.

(3) يشير إلى ما حكاه الله تعالى عن الخليل إبراهيم عليه السلام في قوله: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ) . سورة الصافات الآية: 89. والدراري في البيت بمعنى النجوم.

(4) في ب، ه «المباحثة والمفاتشة» .

(5) في ب، ه: «وليس بعلم دراية» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت