الصفحة 1249 من 1671

الأندلس عراق المغرب عزّة أنساب، ورقّة آداب، واشتغالا بفنون العلوم (1) ، وافتنانا في المنثور والمنظوم، لم تضق لهم في ذلك ساحة، ولا قصرت عنه راحة، فما مرّ فيها بمصر إلّا وفيه نجوم وبدور وشموس، وهم أشعر الناس فيما كثره الله تعالى في بلادهم، وجعله نصب أعينهم من الأشجار والأنهار والطيور والكؤوس، لا ينازعهم أحد في هذا الشأن، وابن خفاجة سابقهم في هذا المضمار الحائز فيه قصب الرهان. وأمّا إذا هبّ نسيم، ودار كأس في كف ظبي رخيم، ورجّع بمّ وزير، وصفّق للماء خرير، أو رقّت العشيّة، وخلعت السحب أبرادها (2) الفضية والذهبية، أو تبسّم عن شعاع ثغر نهر، أو ترقرق بطلّ جفن زهر، أو خفق بارق، أو وصل طيف طارق، أو وعد حبيب فزار من الظلماء تحت جناح، وبات مع من يهواه كالماء والراح، إلى أن ودّع حين أقبل رائد الصباح، أو أزهرت دوحة السماء بزهر كواكبها، أو قوّضت عند فيض نهر الصباح بيض مضاربها، فأولئك هم السابقون السابقون، الذين لا يجارون ولا يلحقون، وليسوا بالمقصّرين في الوصف إذا تقعقعت السلاح، وسالت خلجان الصّوارم بين قضبان الرماح، وبنت الحرب من العجاج سماء، وأطلعت شبه النجوم أسنّة وأجرت شبه الشّفق دماء، وبالجملة فإنهم في جميع الأوصاف والتخيّلات أئمة، ومن وقف على أشعارهم في هذا الشأن فضّلهم فيه على أصناف الأمّة، وقد أعانتهم على الشعر أنسابهم العربية، وبقاعهم النّضرة وهممهم الأبيّة. ولشطار الأندلس من النوادر والتنكيتات، والتركيبات وأنواع المضحكات، ما تملأ الدواوين كثرته، وتضحك الثكلى وتسلّي المسلوب قصته، ممّا لو سمعه الجاحظ لم يعظم عنده ما حكي وما ركّب، ولا استغرب أحد ما أورده ولا تعجّب، إلّا أنّ مؤلّفي هذا الأفق طمحت هممهم عن التصنيف في هذا الشأن فكاد يمرّ ضياعا، فقمت محتسبا بالظرف (3) فتداركته جامعا فيه ما أمسى شعاعا (4) ، انتهى. وقد رأيت أن أذكر رسالة أبي محمد بن حزم الحافظ التي ذكر فيها بعض فضائل علماء الأندلس؛ لاشتمالها على ما نحن بصدده. وذلك أنه كتب أبو علي الحسن بن محمد بن أحمد بن الرّبيب التميمي القيرواني (5) ، إلى أبي المغيرة عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الرحمن بن حزم يذكر تقصير أهل الأندلس في تخليد أخبار علمائهم ومآثر فضائلهم وسير ملوكهم، ما صورته:

(1) كذا في أ، ب، وفي ه: «بفنون العلم» .

(2) البرد: ثوب مخطط يلتحف به. وجمعه: برود وأبراد وأبرد.

(3) في ب، ه: «فقمت محتسبا للظرف» .

(4) شعاعا، بفتح الشين: متفرقا.

(5) انظر المسالك للعمري ج 11 ص 319.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت