فهرس الكتاب
إنه لم يرجع، بل اقتحم أرض جلّيقية واخترقها حتى انتهى إلى مدينة أسترقة، فدوّخ الجهة، وانصرف إلى طليطلة، والله أعلم. وقيل: إن طارقا دخل الأندلس بغير أمر مولاه موسى بن نصير، فالله أعلم. قال بعضهم: وكانت إقامته في الفتوح وتدويخ البلاد إلى أن وصل سيّده موسى بن نصير سنة، وكان ما سيذكر.
وأنشد في المسهب وابن اليسع في «المغرب» لطارق من قصيدة قالها في الفتح: الطويل]
ركبنا سفينا بالمجاز مقيّرا ... عسى أن يكون الله منّا قد اشترى (1) ...
نفوسا وأموالا وأهلا بجنّة ... إذا ما اشتهينا الشيء فيها تيسّرا ...
ولسنا نبالي كيف سالت نفوسنا ... إذا نحن أدركنا الذي كان أجدرا (2)
قال ابن سعيد: وهذه الأبيات ممّا يكتب لمراعاة قائلها ومكانته، لا لعلوّ طبقتها، انتهى.
وأما أولاد غيطشة فإنهم لمّا صاروا إلى طارق بالأمان، وكانوا سبب الفتح حسبما تقدّم، قالوا لطارق: أنت أمير نفسك أم فوقك أمير؟ فقال: بل على رأسي أمير، وفوق ذلك الأمير أمير عظيم، فاستأذنوه في اللّحاق (3) بموسى بن نصير بإفريقية ليؤكّد سببهم به، وسألوه الكتاب إليه بشأنهم معه، وما أعطاهم من عهده، ففعل. وساروا نحو موسى فتلقّوه في انحداره إلى الأندلس بالقرب من بلاد البربر وعرّفوه بشأنهم، ووقف على ما خاطبه به طارق في ذمّتهم وسابقتهم، فأنفذهم إلى أمير المؤمنين الوليد بالشام بدمشق، وكتب إليه بما عرّفه به طارق من جميل أثرهم، فلمّا وصلوا إلى الوليد أكرمهم وأنفذ لهم عهد طارق في ضياع والدهم، وعقد لكلّ واحد منهم سجلّا، وجعل لهم أن لا يقوموا لداخل عليهم. فقدموا الأندلس، وحازوا ضياع والدهم أجمع، واقتسموها على موافقة منهم، فصار منها لكبيرهم ألمند ألف ضيعة في غرب الأندلس، فسكن من أجلها إشبيلية مقتربا منها، وصار لأرطباش ألف ضيعة، وهو تلوه في السنّ، وضياعه في موسّطة الأندلس، فسكن من أجلها قرطبة، وصار لثالثهم وقلة ألف ضيعة في شرقيّ الأندلس وجهة الثغر، فسكن من أجلها مدينة طليطلة، فكانوا على هذه الحال صدر الدولة العربية، إلى أن هلك ألمند كبيرهم، وخلّف (4) ابنته سارة المعروفة بالقوطية وابنين
(1) مقيّرا: مطليا بالقار، وقد أخذ معنى الأبيات من قوله تعالى (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) .
(2) سالت نفوسنا: أي متنا.
(3) في ب: باللحاق.
(4) في ب: تخلّف.