الصفحة 211 من 1671

على موالينا وفي أجنادنا ما قد أيسنا معه من الرجوع إلى أوطاننا، وقد وسّع الله عليك، فأحبّ أن تدفع إليّ ضياعا من ضياعك أعتمرها بيدي، وأؤدي إليك الحقّ منها، وآخذ الفضل لي طيبا أتعيّش منه، فقال: لا أرضى لك بالمساهمة، بل أهب لك هبة مسوّغة، ثم دعا بوكيل له فقال له: سلّم إليه المجشر (1) الذي لنا على وادي شوش بما لنا فيه من العبيد والدواب والبقر وغير ذلك، وادفع إليه الضيعة التي بجيّان، فتسلّم ميمون الضيعتين وورثهما ولده، وإليهم نسبت قلعة حزم، فشكره ميمون وأثنى عليه، وقام عنه. وقد أنف الصميل من قيامه إليه، فأقبل على أرطباش وقال له: كنت أظنّك أرجح وزنا، أدخل عليك وأنا سيد العرب بالأندلس في أصحابي هؤلاء، وهم سادة الموالي، فلا تزيدنا من الكرامة على الإقعاد على أعوادك هذه، ويدخل هذا الصّعلوك فتصير من إكرامه إلى حيث صرت؟ فقال له: يا أبا جوشن، إنّ أهل دينك يخبروننا أن أدبهم لم يرهفك (2) ولو كان لم تنكر عليّ ما فعلته، إنكم، أكرمكم الله، إنما تكرمون لدنياكم وسلطانكم، وهذا إنما أكرمته لله تعالى: فقد روينا عن المسيح، عليه السلام، أنه قال: من أكرمه الله تعالى من عباده بالطاعة له وجبت كرامته على خلقه، فكأنما ألقمه حجرا. وكان الصميل أمّيّا، فلذلك عرّض به، فقال له القوم: دعنا من هذا، وانظر فيما قصدنا له، فحاجتنا حاجة الرجل الذي قصدك فأكرمته، فانظر في شأننا، فقال له: أنتم ملوك الناس، وليس يرضيكم إلّا الكثير، وها أنا أهب لكم مائة ضيعة تقتسمونها عشرا عشرا، وكتب لهم بها، وأمر وكلاءه بتسليمها إليهم، فكان القوم يرونها من أطيب أملاكهم، انتهى.

قال ابن حيّان وغيره: ولمّا بلغ موسى بن نصير ما صنعه طارق بن زياد وما أتيح له من الفتوح حسده، وتهيّأ للمسير إلى الأندلس فعسكر وأقبل نحوها ومعه جماعة الناس وأعلامهم، وقيل: إنهم كانوا ثمانية عشر ألفا، وقيل: أكثر، فكان دخوله إلى الأندلس في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين، وتنكّب (3) الجبل الذي حلّه طارق، ودخل على الموضع المنسوب إليه المعروف الآن بجبل موسى، فلما احتلّ الجزيرة الخضراء قال: ما كنت لأسلك طريق طارق، ولا أقفو أثره (4) ، فقال له العلوج الأدلّاء أصحاب يليان: نحن نسلكك (5) طريقا هو أشرف من طريقه، وندلّك على مدائن هي أعظم خطرا وأعظم خطبا وأوسع غنما من مدائنه، لم تفتح

(1) المجشر: المرعى.

(2) أرهف فلان سيفه: حدّده ليصير حادّا قاطعا. والمراد هنا أن أدب الدين لم يرقق طباعه.

(3) تنكّب الجبل: تجنبه ومال عنه إلى غيره.

(4) أقفو أثره: أتبعه.

(5) في ب: نسلك بك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت