الصفحة 212 من 1671

بعد، يفتحها الله عليك، إن شاء الله تعالى، فملئ سرورا. وكان شفوف (1) طارق قد غمّه، فساروا به في جانب ساحل شذونة، فافتتحها عنوة، وألقوا بأيديهم إليه، ثم سار إلى مدينة قرمونة، وليس بالأندلس أحصن منها، ولا أبعد على من يرومها بحصار أو قتال، فدخلها بحيلة توجّهت بأصحاب يليان، دخلوا إليهم كأنهم فلّال وطرقهم موسى بخيله ليلا ففتحوا لهم الباب، وأوقعوا بالأحراس، فملكت المدينة. ومضى موسى إلى إشبيلية جارتها فحاصرها، وهي أعظم مدائن الأندلس شأنا، وأعجبها بنيانا، وأكثرها آثارا، وكانت دار الملك قبل القوطيين، فلما غلب القوطيون على ملك الأندلس حوّلوا السلطان إلى طليطلة، وبقي رؤساء الدين فيها أعني إشبيلية، فامتنعت أشهرا على موسى، ثم فتحها الله عليه، فهرب العلوج عنها إلى مدينة باجة، فضمّ موسى يهودها إلى القصبة، وخلّف بها رجالا، ومضى من إشبيلية إلى لقنت (2) إلى مدينة ماردة، وكانت أيضا دار مملكة لبعض ملوك الأندلس في سالف الدهر، وهي ذات عزّ ومنعة، وفيها آثار وقصور ومصانع وكنائس جليلة القدر فائقة الوصف، فحاصرها أيضا، وكان في أهلها منعة شديدة وبأس عظيم، فنالوا من المسلمين دفعات، وآذوهم، وعمل موسى دبّابة دبّ المسلمون تحتها إلى برج من أبراج سورها جعلوا ينقبونه، فلمّا قلعوا الصخر أفضوا بعده إلى العمل المدعو بلسان العجم ألاشه ماشه (3) ، فنبت عنه معاولهم (4) وعدّتهم، وثار بهم العدوّ على غفلة، فاستشهد بأيديهم قوم من المسلمين تحت تلك الدبابة، فسمّي ذلك الموضع برج الشهداء، ثم دعا القوم إلى السّلم، فترسل إليه في تقريره قوم من أماثلهم أعطاهم الأمان واحتال في توهيمهم في نفسه، فدخلوا عليه أول يوم، فإذا هو أبيض الرأس واللحية كما نصل (5) خضابه، فلم يتّفق لهم معه أمر، وعاودوه قبل الفطر بيوم، فإذا هو قد قنأ لحيته بالحنّاء فجاءت كضرام عرفج، فعجبوا من ذلك، وعاودوه يوم الفطر، فإذا هو قد سوّد لحيته، فازداد تعجّبهم منه، وكانوا لا يعرفون الخضاب ولا استعماله، فقالوا لقومهم: إنّا نقاتل أنبياء يتخلّقون كيف شاؤوا، ويتصوّرون في كل صورة أحبّوا؛ كان ملكهم شيخا فقد صار شابّا، والرأي أن نقاربه ونعطيه ما يسأله، فما لنا به طاقة، فأذعنوا عند ذلك، وأكملوا صلحهم مع موسى على أنّ أموال القتلى يوم الكمين، وأموال الهاربين إلى جلّيقيّة، وأموال الكنائس وحليّها للمسلمين.

(1) شفوف طارق: أراد هنا ظفره وانتصاره، وأصل الشفوف جمع شف، وهو الريح.

(2) في ب: لفنت.

(3) ألاشه ماشه: أي الاسمنت كما جاء في حواشي طبعة ليدن.

(4) نبت عنه معاولهم: أي لم تنل منه. والمعول: آلة للهدم.

(5) نصل خضابه: ذهب أثره. والخضاب: ما يصبع به الشعر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت