الصفحة 260 من 1671

ألممت به، ولم أحقّق النظر فيه لجلالته في نفسي، فقال له: قد أجّلتك لذلك، فتفرّغ للنظر فيما بقي عليك منه، ثم أحضره بعد أيام، فقال: إن الذي سألتك عنه جدّ مني، مع أني والله ما أثق بحقيقته، إذ كان من غيب الله الذي استأثر به، ولكني أحبّ أن أسمع ما عندك فيه، فالنفس طلعة (1) ، وألزمه الصّلة أو العقوبة، فقال: اعلم أيها الأمير أنه سوف يستقرّ ملكك، سعيدا جدّك، قاهرا لمن عاداك، إلّا أنّ مدّتك فيه فيما دلّ عليه النظر تكون ثمانية أعوام أو نحوها، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال: يا ضبّي، ما أخوفني أن يكون النذير كلّمني بلسانك، والله لو أنّ هذه المدّة كانت في سجدة لله تعالى لقلّت طاعة له، ووصله وخلع عليه، وزهد في الدنيا، ولزم أفعال الخير والبرّ.

ومن حكاياته في الجود أنه كان قاعدا لراحته في علّية على النهر في حياة والده، فنظر إلى رجل من قدماء صنائعه من أهل جيّان قد أقبل يوضع السير في الهاجرة، فأنكر ذلك، وقدّر شرّا وقع به من قبل أخيه سليمان، وكان واليا على جيّان، فأمر بإدخاله عليه، فقال له: مهيم يا كناني، فلأمر ما (2) ، وما أحسبك إلّا مزعجا لشيء دهمك، فقال: نعم يا سيدي، قتل رجل من قومي رجلا خطأ، فحملت الدّية على العاقلة، فأخذ بها من كنانة عامّة، وحمل عليّ من بينهم خاصّة، وقصدني أخوك بالاعتداء إذ عرف مكاني منك، فمدّ هشام يده إلى جارية كانت وراء الستر، وقطع قلادة عقد نفيس كان في نحرها، وقال له: دونك هذا العقد يا كناني، وشراؤه عليّ ثلاثة آلاف دينار، فلا تخدعنّ عنه، وبعه، وأدّ عن نفسك وعن قومك، ولا تمكّن الرّجل من اهتضامك، فقال: يا سيدي، لم آتك مستجديا ولا لضيق المال عمّا حملته، ولكني لما اعتمدت بظلم صراح أحببت أن يظهر على (3) عزّ نصرك، وأثر ذبّك وامتعاضك، فأتمجّد بذلك عند من يحسدني على الانتماء إليك، فقال هشام: فما وجه ذلك؟ فقال: أن تكتب إلى أخيك في الإمساك عنّي، والقيام بذمّتك لي، فقال: أمسك العقد، وركب من حينه إلى والده الداخل، واستأذن عليه في وقت أنكره، فانزعج، وقال: ما أتى بأبي الوليد في هذا الوقت إلّا أمر مقلق، ائذنوا له، فلمّا دخل سلّم عليه، ومثل قائما بين يديه، فقال له: اجلس يا هشام، فقال: أصلح الله الأمير سيدي، وكيف جلوسي بهمّ وذلّ مزعج، وحقّ لمن قام مقامي أن لا يجلس إلّا مطمئنا، ولن يقعدني إلّا طيب نفسي بإسعاف الأمير لحاجتي، وإلّا رجعت على عقبي، فقال له: حاش لك من انقلابك خائبا، فاقعد مجابا مشفّعا، فجلس، فقال له

(1) طلعة ـ بضم الطاء وفتح اللام ـ كثيرة التطلع إلى الشيء والتشوف إليه.

(2) في ب: فلأمر ما جئت.

(3) في ب: عليّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت