فهرس الكتاب
عبد الملك بن عبد الواحد إلى بلاد جلّيقية، فانتهى إلى أسترقة، فجمع له ملك الجلالقة واستمدّ بملك البشكنس، ثم خام (1) عن اللقاء. ورجع أدراجه، واتّبعه عبد الملك، وكان هشام قد بعث الجيوش من ناحية أخرى، فالتقوا بعبد الملك، وأثخنوا في البلاد، واعترضهم عساكر الفرنج فنالوا منهم بعض الشيء، ثم خرجوا سالمين ظافرين.
ومن محاسنه أنه جدّد القنطرة التي يضرب بها المثل بقرطبة كما سبق، وكان بناها السّمح الخولاني عامل عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، فأحكم هشام بناءها إلى الغاية، وقال يوما لأحد وزرائه: ما يقول أهل قرطبة؟ فقال: يقولون: ما بناها الأمير إلّا ليمضي عليها إلى صيده وقنصه، فآلى هشام على نفسه أن لا يسلك عليها، فلم يمرّ عليها بعد، ووفى بما حلف عليه.
ومن محاسنه أيضا إكمال بناء الجامع بقرطبة، وكان أبوه قد شرع فيه؛ ومن محاسنه أنه أخرج المصدّق (2) لأخذ الزكاة على الكتاب والسّنّة، رحمه الله.
ثم توفي سنة ثمانين ومائة، لسبع سنين وتسعة أشهر من إمارته، وقيل: لثمان ـ وكان من أهل الخير والصلاح، كثير الغزو والجهاد ـ وعمره أربعون سنة وأربعون أشهر، وولد في شوّال سنة 137 (3) . وولي بعده ابنه الحكم بعهد منه إليه (4) ، فاستكثر من المماليك، وارتبط الخيل، واستفحل ملكه، وباشر الأمور بنفسه. وفي خلال فتنة كانت بينه وبين عمّيه اغتنم العدوّ الكافر الفرصة في بلاد المسلمين، وقصدوا برشلونة فملكوها سنة خمس وثمانين، وتأخّرت عساكر المسلمين إلى ما دونها، وبعث الحكم العساكر مع الحاجب عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد الجلالقة، فأثخنوا فيها، وخالفهم العدوّ إلى المضايق، فرجع على التعبية، وظفر بهم، وخرج إلى بلاد الإسلام ظافرا. وكانت له الواقعة الشهيرة مع أهل الرّبض (5) من قرطبة لأنه في صدر ولايته كان قد انهمك في لذّاته، فاجتمع أهل العلم والورع بقرطبة، مثل يحيى بن يحيى الليثي صاحب مالك وأحد رواة الموطّإ عنه وطالوت الفقيه وغيرهما، فثاروا به، وخلعوه، وبايعوا بعض قرابته، وكانوا بالرّبض الغربيّ من قرطبة، وكان محلّة متّصلا (6) بقصره، فقاتلهم الحكم، فغلبهم، وافترقوا، وهدم دورهم ومساجدهم، ولحقوا بفاس من أرض العدوة،
(1) خام عن لقاء العدو: جبن وتراجع.
(2) المصّدّق: عامل الزكاة، وهو الذي يجبيها ممن وجبت عليه من السملمين.
(3) في ب: 139.
(4) انظر ابن خلدون 4: 125.
(5) الرّبض: ضواحي المدينة وما حولها من مساكن.
(6) في ب: متصلة.