الصفحة 284 من 1671

الأرض، فقيل لأبي علي البغدادي إسماعيل بن القاسم القالي صاحب الأمالي والنوادر، وهو حينئذ ضيف الخليفة الوافد عليه من العراق وأمير الكلام وبحر اللغة: قم فارفع هذا الوهي (1) ، فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلّى على نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، هكذا ذكر ابن حيّان وغيره، وكلام ابن خلدون السابق يقتضي أنّ القالي هو المأمور بالكلام أوّلا والمعدّ لذلك، ونحوه في المطمح، والخطب سهل، ثم انقطع القول بالقالي، فوقف ساكتا مفكّرا في كلام يدخل به إلى ذكر ما أريد منه، وقال في المطمح: إن أبا علي القالي انقطع وبهت، وما وصل إلّا قطع، ووقف ساكتا متفكّرا، لا ناسيا ولا متذكّرا، فلمّا رأى ذلك منذر بن سعيد ـ وكان ممّن حضر في زمرة الفقهاء ـ قام من ذاته، بدرجة من مرقاته، فوصل افتتاح أبي علي لأوّل خطبته بكلام عجيب، ونادى من الإحسان في (2) ذلك المقام كلّ مجيب، يسحّه سحّا كأنما كان يحفظه قبل ذلك بمدّة، وبدأ من المكان الذي انتهى إليه أبو علي البغدادي، فقال (3) : أمّا بعد حمد الله والثناء عليه، والتعداد لآلائه، والشكر لنعمائه، والصلاة والسلام على محمد صفيّه وخاتم أنبيائه، فإن لكل حادثة مقاما، ولكلّ مقام مقال، وليس بعد الحق إلّا الضلال. وإنّي قد قمت في مقام كريم، بين يدي ملك عظيم؛ فأصغوا إليّ معشر الملإ بأسماعكم، وأتقنوا (4) عني بأفئدتكم، إنّ من الحقّ أن يقال للمحقّ صدقت، وللمبطل كذبت، وإنّ الجليل تعالى في سمائه، وتقدّس بصفاته وأسمائه، أمر كليمه موسى صلّى الله على نبيّنا وعليه وعلى جميع أنبيائه، أن يذكّر قومه بأيام الله، عزّ وجلّ، عندهم، وفيه وفي رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، أسوة حسنة، وإنّي أذكّركم بأيام الله عندكم، وتلافيه لكم بخلافة أمير المؤمنين التي لمّت شعثكم، وأمّنت سربكم، ورفعت قوّتكم (5) ، بعد أن كنتم قليلا فكثركم، ومستضعفين فقوّاكم، ومستذلّين فنصركم، ولّاه الله رعايتكم، وأسند إليه إمامتكم، أيام ضربت الفتنة سرادقها على الآفاق، وأحاطت بكم شعل النفاق، حتى صرتم في مثل حدقة البعير، من ضيق الحال ونكد العيش والتغيير، فاستبدلتم بخلافته من الشدّة بالرخاء، وانتقلتم بيمن سياسته إلى تمهيد كنف العافية بعد استيطان البلاء، أنشدكم بالله (6) معاشر الملإ، ألم تكن الدماء مسفوكة فحقنها، والسّبل مخوفة فأمّنها، والأموال منتهبة فأحرزها وحصّنها؟ ألم تكن البلاد خرابا فعمرها، وثغور المسلمين مهتضمة فحماها ونصرها؟ فاذكروا آلاء الله عليكم بخلافته، وتلافيه جمع كلمتكم بعد افتراقها بإمامته، حتى أذهب الله عنكم غيظكم، وشفى صدوركم، وصرتم يدا على

(1) الوهي: الضعف.

(2) في ب: ونادى في الإحسان من ذلك المقام.

(3) في ب: والقنوا.

(4) في ب: فرقكم.

(5) في ب: أنشدكم الله.

(6) في ب: ناشدتكم الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت