الصفحة 286 من 1671

في مخاذلة دينكم (1) ، وهتك حريمكم، وتوهين دعوة نبيّكم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع النبيّين والمرسلين، أقول قولي هذا وأختم بالحمد لله ربّ العالمين. مستغفرا الله الغفور الرحيم فهو خير الغافرين.

وساق ابن سعيد في «المغرب» هذه الحكاية فقال ما صورته: منذر بن سعيد البلّوطي، قاضي الجماعة بقرطبة، خطيب مصقع (2) ، وله كتب مؤلفة في القرآن والسّنّة والورع، والردّ على أهل الأهواء والبدع، شاعر بليغ، ولد سنة خمس وستّين ومائتين، وأوّل سببه في التعلّق بعبد الرحمن الناصر لمّا احتفل لدخول رسول ملك الروم صاحب قسطنطينية بقصر قرطبة الاحتفال الذي اشتهر ذكره، أحبّ أن يقوم الخطباء والشعراء بين يديه، لذكر جلالة مقعده، ووصف ما تهيّأ له من توطيد الخلافة، ورمي ملوك الأمم بسهام بأسه ونجدته، وتقدّم إلى الأمير الحكم ابنه ووليّ عهده بإعداد من يقوم لذلك من الخطباء، ويقدّمه أمام إنشاد الشعراء، فتقدّم الحكم إلى أبي عليّ البغدادي ضيف الخليفة، وأمير الكلام وبحر اللغة، أن يقوم، فقام وحمد الله وأثنى عليه وصلّى على نبيّه محمد، صلّى الله عليه وسلّم، ثم انقطع، وبهت فما وصل ولا قطع، ووقف ساكتا مفكّرا، فلمّا رأى ذلك منذر بن سعيد قام قائما بدرجة من مرقاة أبي علي، ووصل افتتاحه بكلام عجيب بهر العقول جزالة، وملأ الأسماع جلالة، ثم ذكر الخطبة كما سبق، وقال بعد إيرادها ما صورته: فصلب العلج وغلب على قلبه، وقال: هذا كبير القوم، أو كبش القوم، وخرج الناس يتحدّثون عن حسن مقامه، وثبات جنانه، وبلاغة لسانه، وكان الناصر أشدّهم تعجّبا منه، وأقبل على ابنه الحكم ـ ولم يكن يثبت معرفته ـ فسأله عنه، فقال له: هذا منذر بن سعيد البلّوطي، فقال: والله لقد أحسن ما شاء، ولئن أخّرني الله بعد لأرفعنّ من ذكره، فضع يدك يا حكم عليه، واستخلصه، وذكرّني بشأنه، فما للصنيعة مذهب عنه، ثم ولّاه الصلاة والخطابة في المسجد الجامع بالزهراء، ثم توفي محمد بن عيسى القاضي فولّاه قضاء الجماعة بقرطبة، وأقرّه على الصلاة بالزهراء.

ومن شعره في هذه الواقعة قوله: [الطويل]

مقالي كحدّ السّيف وسط المحافل ... فرقت به ما بين حقّ وباطل (3)

(1) في المطمح: «ملتكم» وملاكم مخففة من ملئكم.

(2) خطيب مصقع: بليغ، عالي الصوت.

(3) في ب: مقال كحدّ السيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت