الصفحة 288 من 1671

فلا تكن مغرما برزق غد ... فلست تدري بما يجيء غد ...

وخذ من الدهر ما أتاك به ... ويسلم الروح منك والجسد ...

والخير والشّرّ لا تذعه فما ... في الناس إلّا التشنيع والحسد

وله وقد آذاه شخص فخاطبه بالكنية، فقيل له: أيؤذيك وأنت تخاطبه بالكنية؟ فقال: [الكامل]

لا تعجبوا من أنّني كنّيته ... من بعد ما قد سبّنا وأذانا ...

فالله قد كنّى أبا لهب وما ... كنّاه إلّا خزية وهوانا (1)

وقال في المطمح: منذر بن سعيد البلوطي، آية حركة وسكون، وبركة لم تكن معدّة ولا تكون، وآية سفاهة في تحلّم، وجهامة وورع في طي تبسّم، إذا جدّ وجد، وإذا هزل نزل، وفي كلتا الحالتين لم ينزل للورع من مرقب (2) ، ولا اكتسب إثما ولا احتقب (3) ، ولي قضاء الجماعة بقرطبة أيام عبد الرحمن، وناهيك من عدل أظهر، ومن فضل أشهر، ومن جور قبض، ومن حقّ رفع ومن باطل خفض، وكان مهيبا صليبا صارما غير جبان ولا عاجز ولا مراقب لأحد من خلق الله في استخراج حقّ ورفع ظلم، واستمرّ في القضاء إلى أن مات الناصر لدين الله ثم ولي ابنه الحكم فأقرّه، وفي خلافته استعفى مرارا فما أعفي، وتوفي بعد ذلك لم يحفظ عنه مدّة ولايته قضية جور، ولا عدّت عليه في حكومته زلّة، وكان غزير العلم، كثير الأدب، متكلّما بالحق، متبيّنا بالصدق، له كتب مؤلفة في السّنّة والقرآن والورع، والردّ على أهل الأهواء والبدع، وكان خطيبا بليغا وشاعرا محسنا، ولد عند ولاية المنذر بن محمد، وتوفي سنة 355، ومن شعره في الزهد قوله: [الخفيف]

كم تصابى وقد علاك المشيب ... وتعامى عمدا وأنت اللبيب (4) ؟ ...

كيف تلهو وقد أتاك نذير ... أن سيأتي الحمام منك قريب ...

يا سفيها قد حان منه رحيل ... بعد ذاك الرحيل يوم عصيب

(1) اعتمد على القرآن الكريم بقوله: (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ) فاستعمل الكنية استهانة به واستصغارا له، ولم يستعمل اسمه وهو عبد العزى.

(2) المرقب: المكان المرتفع.

(3) احتقب الإثم: ارتكبه.

(4) تصابى: أصلها تتصابى حذفت إحدى التاءين، والتصابي: الميل إلى اللهو والصبوة، وتعامى: أصلها تتعامى أي تتغافل، وتتصنع العمى. واللبيب العاقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت