الصفحة 291 من 1671

بفتح باب الصناعة وانتظارك من قبله، ومنه خرجت إليك، وأمرت بملازمتك مذكّرا بالنهوض عند فراغك، وقال: افعل راشدا. وجلس الخصيّ جانبا حتى أكمل أبو إبراهيم مجلسه بأكمل وأفسح (1) ما جرت به عادته غير منزعج ولا قلق، فلمّا انفضضنا عنه قام إلى داره فأصلح من شأنه ثم مضى إلى الخليفة الحكم فوصل إليه من ذلك الباب، وقضى حاجته من لقائه، ثم صرفه على ذلك الباب، فأعيد إغلاقه على إثر خروجه. قال ابن مفرّج: ولقد تعمّدنا في تلك العشيّة إثر قيامنا عن الشيخ أبي إبراهيم المرور بهذا الباب المعهود إغلاقه بدبر القصر لنرى تجشّم الخليفة له، فوجدناه مفتوحا كما وصف الخصيّ (2) ، وقد حفّه الخدم والأعوان منزعجين ما بين كنّاس وفرّاش متأهّبين لانتظار أبي إبراهيم، فاشتدّ عجبنا لذلك، وطال تحدّثنا عنه، انتهى. فهكذا تكون العلماء مع الملوك والملوك مع العلماء (3) ، قدّس الله تلك الأرواح!.

ثم توفي الناصر لدين الله ثاني ـ أو ثالث ـ شهر رمضان، من عام خمسين وثلاثمائة، أعظم ما كان سلطانه، وأعزّ ما كان الإسلام بملكه.

قال ابن خلدون: خلّف الناصر في بيوت الأموال خمسة آلاف ألف ألف ألف ثلاث مرات، انتهى.

وقال غير واحد: إنه كان يقسم الجباية أثلاثا: ثلث للجند، وثلث للبناء، وثلث مدّخر، وكانت جبابة الأندلس يومئذ من الكور والقرى خمسة آلاف ألف وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار، ومن السوق والمستخلص سبعمائة ألف وخمسة وستّين ألف دينار، وأمّا أخماس الغنائم العظيمة فلا يحصيها ديوان.

وحكي أنه وجد بخطّ الناصر ـ رحمه الله! ـ أيام السرور التي صفت له دون تكدير يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا ويوم كذا من كذا، وعدّت تلك الأيام فكانت أربعة عشر يوما، فاعجب أيها العاقل لهذه الدنيا وعدم صفائها، وبخلها بكمال الأحوال لأوليائها، هذا الخليفة الناصر حلف السعود، المضروب به المثل في الارتقاء في الدنيا والصعود، ملكها خمسين سنة وستة ـ أو سبعة ـ أشهر وثلاثة أيام، ولم تصف له إلّا أربعة عشر يوما، فسبحان ذي العزّة القائمة، والمملكة الدائمة لا إله إلّا هو.

(1) في ب: كأفسح.

(2) في ب: فوجدناه كما وصف الخصي مفتوحا.

(3) في ب: معهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت