الصفحة 292 من 1671

وممّا ينسب للناصر من الشعر، وقيل: لابنه الحكم، قوله (1) : [مخلع البسيط]

ما كلّ شيء فقدت إلّا ... عوّضني الله عنه شيّا ...

إني إذا ما منعت خيري ... تباعد الخير من يديّا ...

من كان لي نعمة عليه ... فإنّها نعمة عليّا

وممّا زيّن الله به دولة الناصر وزراؤه الذين من جملتهم ابن شهيد، قال في المطمح: أحمد بن عبد الملك بن عمر بن شهيد (2) ، مفخر الإمامة، وزهر تلك الكمامة، وصاحب (3) الناصر عبد الرحمن، وحامل الوزارتين على سموّها في ذلك الزمان، استقلّ بالوزارة على ثقلها، وتصرّف فيها كيف شاء على حدّ نظرها والتفات مقلها، فظهر على أولئك الوزراء، واشتهر مع كثرة النظراء، وكانت إمارة عبد الرحمن أسعد إمارة، بعد عنها كلّ نفس بالسّوء أمّارة، فلم يطرقها صرف، ولم يرمقها محذور بطرف، فقرع الناس فيها هضاب الأمانيّ ورباها، ورتعت ظباؤها في ظلال ظباها، وهو أسد على براثنه رابض، وبطل أبدا على قائم سيفه قابض، يروع الروم طيفه، ويجوس خلال تلك الديار خوفه، ويروى بل يحسم كلّ آونة سيفه، وابن شهيد ينتج الآراء ويلقحها، وينقد تلك الأنحاء وينقحها، والدولة مشتملة بغنائه، متجمّلة بسنائه، وكرمه منتشر على الآمال، ويكسو الأولياء بذلك الإجمال (4) ، وكان له أدب تزخر (5) لججه، وتبهر حججه، وشعره رقيق لا ينقد، ويكاد من اللطافة يعقد، فمن ذلك قوله: [الطويل]

ترى البدر منها طالعا فكأنّما ... يجول وشاحاها على لؤلؤ رطب ...

بعيدة مهوى القرط مخطفة الحشا ... ومفعمة الخلخال مفعمة القلب ...

من اللّاء لم يرحلن فوق رواحل ... ولا سرن يوما في ركاب ولا ركب ...

ولا أبرزتهنّ المدام لنشوة ... وشدو كما تشدو القيان على الشّرب (6)

(1) المغرب ج 1 ص 179.

(2) ابن شهيد: هو أحمد بن عبد الملك بن أحمد بن شهيد، من بني الوضاح، من أشجع، من قيس عيلان، أبو عامر الأشجعي، وزير من كبار الأندلسيين أدبا وعلما. مولده ووفاته بقرطبة. له شعر جيد يهزل فيه ويجدّ، وتصانيف بديعة منها: التوابع والزوابع، توفي سنة 426 ه‍ (الأعلام 1: 157) .

(3) في ب: وحاجب.

(4) الإجمال: الإحسان.

(5) تزخر لججه: تتلاطم أمواجه، شبه الأدب بالبحر.

(6) الشّرب: بفتح الشين وسكون الراء ـ الجماعة الشاربون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت