الصفحة 293 من 1671

وكان بينه وبين الوزير عبد الملك بن جهور متولّي الأمر معه، ومشاركه في التدبير إذا حضر مجتمعه، منافسة، لم تنفصل لهما بها مداخلة ولا ملابسة، وكلاهما يتربّص بصاحبه دائرة السّوء، ويغصّ به غصص الأفق بالنّوء، فاجتاز يوما على ربضه، ومال إلى زيارته ولم تكن من غرضه، فلمّا استأمر عليه، تأخّر خروج الإذن إليه، فثنى عنانه حنقا من حجابه، وضجرا من حجّابه، وكتب إليه معرّضا، وكان يلقّب بالحمار: [الطويل]

أتيناك لا عن حاجة عرضت لنا ... إليك ولا قلب إليك مشوق ...

ولكنّنا زرنا بفضل حلومنا ... فكيف تلاقى برّنا بعقوق (1)

فراجعه ابن جهور يغضّ منه، بما كان يشيع عنه، بأنّ جدّه أبا هشام، كان بيطارا بالشام، بقوله: [الطويل]

حجبناك لمّا زرتنا غير تائق ... بقلب عدوّ في ثياب صديق ...

وما كان بيطار الشّآم بموضع ... يباشر فيه برّنا بخليق (2)

ومن شعره قوله يتغزل: [الوافر]

حلفت بمن رمى فأصاب قلبي ... وقلّبه على جمر الصّدود ...

لقد أودى تذكّره بقلبي ... ولست أشكّ أنّ النّفس تودي ...

فقيد وهو موجود بقلبي ... فوا عجبا لموجود فقيد

وقد تقدّم الكلام على هدية ابن شهيد وبعض أخباره، رحمة الله عليه!.

ولمّا توفي الناصر لدين الله تولّى الخلافة بعده وليّ عهده الحكم المستنصر بالله فجرى على رسمه، ولم يفقد من ترتيبه إلّا شخصه، وولي حجابته جعفر المصحفي (3) .

وأهدى له يوم ولايته هديّة كان فيها من الأصناف ما ذكره ابن حيّان في «المقتبس» وهي: مائة مملوك من الإفرنج ناشبة (4) على خيول صافنة كاملو الشّكة والأسلحة من السيوف والرماح والدّرق والتّراس والقلانس الهندية، وثلاثمائة ونيّف وعشرون درعا مختلفة الأجناس، وثلاثمائة

(1) في ب:

ولكننا زرنا بفضل حلومنا ... حمارا تولّى برّنا بعقوق

(2) خليق: جدير، حقيق.

(3) وفي بعض النسخ جعفر الصقلبي وهو خطأ.

(4) في ب: ناشئة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت