الصفحة 300 من 1671

إلى أن قطع السطح وانتهى إلى باب البهو، فلمّا قابل السرير خرّ ساجدا سويعة، ثم استوى قائما، ثم نهض خطوات، وعاد إلى السجود، ووالى ذلك مرارا إلى أن قدم بين يدي الخليفة وأهوى إلى يده فناوله إياها وكرّ راكعا مقهقرا على عقبه إلى وساد ديباج مثقل بالذهب، جعل له هنالك، ووضع على قدر عشرة أذرع من السرير، فجلس عليه، والبهر (1) قد علاه، وأنهض خلفه من استدنى من قوامسه وأتباعه، فدنوا ممتثلين في تكرير الخنوع، وناولهم الخليفة يده فقبّلوها وانصرفوا مقهقرين فوقفوا على رأس ملكهم، ووصل بوصولهم وليد بن حيزون قاضي النصارى بقرطبة، فكان الترجمان عن الملك أردون ذلك اليوم، فأطرق الحكم عن تكليم الملك أردون إثر قعوده أمامه وقتا كيما يفرخ روعه (2) . فلمّا رأى أن قد خفّض (3) عليه افتتح تكليمه فقال: ليسرّك إقبالك ويغبطك تأميلك، فلدينا لك من حسن رأينا ورحب قبولنا فوق ما قد طلبته، فلمّا ترجم له كلامه إيّاه تطلّق (4) وجه أردون، وانحطّ عن مرتبته، فقبّل البساط، وقال: أنا عبد أمير المؤمنين، مولاي، المتورّك (5) على فضله، القاصد إلى مجده، المحكم في نفسه ورجاله، فحيث وضعني من فضله وعوّضني من خدمته رجوت أن أتقدّم فيه بنيّة صادقة، ونصيحة خالصة، فقال له الخليفة: أنت عندنا بمحلّ من يستحقّ حسن رأينا، وسينالك من تقديمنا لك وتفضيلنا إياك على أهل ملّتك ما يغبطك، وتتعرّف به فضل جنوحك إلينا، واستظلالك بظل سلطاننا، فعاد أردون إلى السجود عند فهمه مقالة الخليفة، وابتهل داعيا، وقال: إن شانجه ابن عمّي تقدّم إلى الخليفة الماضي مستجيرا به منّي، فكان من إعزازه إيّاه ما يكون من مثله من أعاظم الملوك وأكارم الخلفاء لمن قصدهم وأمّلهم، وكان قصده قصد مضطرّ قد شنأته رعيّته (6) ، وأنكرت سيرته، واختارتني لمكانه من غير سعي مني علم الله ذلك، ولا دعاء إليه، فخلعته وأخرجته عن ملكه مضطرّا مضطهدا، فتطوّل عليه (7) ـ رحمه الله! ـ بأن صرفه إلى ملكه، وقوّى سلطانه، وأعزّ نصره، ومع ذلك فلم يقم بفرض النعمة التي أسديت إليه، وقصّر في أداء المفروض عليه وحقّه وحقّ مولاي أمير المؤمنين من بعده، وأنا قد قصدت باب أمير المؤمنين لغير ضرورة من قرارة سلطاني وموضع أحكامي، محكّما له في نفسي

(1) البهر: هو انقطاع النفس وتتابع تصاعده بسبب إعياء أو خوف.

(2) يفرخ روعه: هذه كناية عن الطمأنينة وذهاب الخوف.

(3) خفّض عليه: سكن فزعه.

(4) تطلّق وجهه: استبشر.

(5) المتورك: المعتمد.

(6) شنأته رعيته: كرهته، وفي القرآن الكريم (إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) .

(7) تطوّل عليه: تفضّل عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت