الصفحة 301 من 1671

ورجالي ومعاقلي ومن تحويه من رعيتي، فشتّان ما بيننا بقوة الثقة ومطرح الهمّة، فقال الخليفة: قد سمعنا قولك، وفهمنا مغزاك، وسوف يظهر من إقراضنا إيّاك على الخصوصيّة شأنه، ويترادف من إحساننا إليك أضعاف ما كان من أبينا ـ رضي الله تعالى عنه! ـ إلى ندّك، وإن كان له فضل التقدّم بالجنوح إلينا والقصد إلى سلطاننا، فليس ذلك ممّا يؤخّرك عنه، ولا ينقصك ممّا أنلناك، وسنصرفك مغبوطا إلى بلدك، ونشدّ أواخيّ (1) ملكك ونملّكك جميع من انحاش إليك من أمتك ونعقد لك بذلك كتابا يكون بيدك نقرّر به حدّ ما بينك وبين ابن عمّك، ونقبضه عن كل ما بتصرّفه (2) من البلاد إلى يدك، وسيترادف عليك من إفضالنا فوق ما احتسبته، والله على ما نقول وكيل. فكرّر أردون الخضوع، وأسهب في الشكر، وقام للانصراف مقهقرا لا يولّي الخليفة ظهره، وقد تكنّفه الفتيان [من جملة الفتيان] (3) ، فأخرجوه إلى المجلس الغربي في السطح، وقد علاه البهر وأذهله الرّوع، من هول ما باشره، وجلالة ما عاينه من فخامة الخليفة وبهاء العزّة، فلمّا أن دخل المجلس ووقعت عينه على مقعد أمير المؤمنين خاليا منه انحطّ ساجدا إعظاما له، ثم تقدّم الفتيان به إلى البهو الذي بجوفي هذا المجلس، فأجلسوه هنالك على وساد مثقل بالذهب، وأقبل نحوه الحاجب جعفر، فلمّا بصر به قام إليه وخضع له (4) ، وأومأ إلى تقبيل يده، فقبضها الحاجب عنه، وانحنى إليه فعانقه، وجلس معه، فغبّطه (5) ، ووعده من إنجاز عدات الخليفة له بما ضاعف سروره، ثم أمر الحاجب جعفر فصبّت عليه الخلع التي أمر له بها الخليفة، وكانت درّاعة (6) منسوجة بالذهب، وبرنسا مثلها له لوزة مفرغة من خالص التبر مرصعة بالجوهر والياقوت ملأت عين العلج تجلّة، فخرّ ساجدا، وأعلن بالدعاء، ثم دعا الحاجب أصحابه رجلا رجلا فخلع عليهم على قدر استحقاقهم، فكمل جميع ذلك بحسب ما يصلح لهم، وخرّ جميعهم خاضعين (7) شاكرين، ثم انطلق الملك أردون وأصحابه، وقدّم لركابه في أوّل البهو الأوسط فرس من عتاق خيل الركاب عليه سرج حلي ولجام حلي مفرغ، وانصرف مع ابن طملس إلى قصر الرصافة مكان تضييفه،

(1) نشدّ أواخيّ ملكك: سنقوي ملكك ونثبته لك، ونمنع عنك عدوك.

(2) في ب: يصرّفه.

(3) من جملة الفتيان ساقطة في ب.

(4) في ب: وخنع.

(5) غبّطه: نسبه إلى الغبطة.

(6) الدرّاعة: ثوب كالجبة.

(7) في ب: خانعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت