الصفحة 314 من 1671

ومن ذلك بناؤه قنطرة على نهر قرطبة الأعظم، ابتدأ بناءها المنصور سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة، وفرغ منها في النصف من سنة تسع وسبعين، وانتهت النفقة عليها إلى مائة ألف دينار وأربعين ألف دينار، فعظمت بها المنفعة، وصارت صدرا في مناقبه الجليلة. وكانت هنالك قطعة أرض لشيخ من العامّة، ولم يكن للقنطرة عدول عنها؛ فأمر المنصور أمناءه بإرضائه فيها، فحضر الشيخ عندهم، فساوموه بالقطعة، وعرّفوه وجه الحاجة إليها وأنّ المنصور لا يريد إلّا إنصافه فيها، فرماهم الشيخ بالغرض الأقصى عنده فيما ظنّه أنها لا تخرج عنه بأقلّ من عشرة دنانير ذهبا، كانت عنده أقصى الأمنيّة، وشرطها صحاحا. فاغتنم الأمناء غفلته، ونقدوه الثّمن، وأشهدوا عليه، ثم أخبروا المنصور بخبره، فضحك من جهالته، وأنف من غبنه، وأمر أن يعطى عشرة أمثال ما سأل، وتدفع له صحاحا كما قال، فقبض الشيخ مائة دينار ذهبا؛ فكاد أن يخرج من عقله، وأن يجنّ عند قبضها من الفرح، وجاء محتفلا في شكر المنصور، وصارت قصّته خبرا سائرا.

ومن ذلك أيضا بناء قنطرة على نهر إستجة، وهو نهر شنيل، وتجشم لها أعظم مؤنة، وسهّل الطريق الوعرة والشّعاب الصعبة.

ومن ذلك أيضا أنه خطّ بيده مصحفا كان يحمله معه في أسفاره وغزواته (1) .

يدرس فيه، ويتبرّك به.

ومن قوة رجائه أنه اعتنى بجمع ما علق بوجهه من الغبار في غزواته ومواطن جهاده، فكان الخدم يأخذونه عنه بالمناديل في كل منزل من منازله، حتى اجتمع له منه صرّة ضخمة، عهد بتصييره في حنوطه (2) ، وكان يحملها حيث سار مع أكفانه، توقّعا لحلول منيّته، وقد كان اتّخذ الأكفان من أطيب مكسبه من الضّيعة الموروثة عن أبيه، وغزل بناته. وكان يسأل الله تعالى أن يتوفّاه في طريق الجهاد؛ فكان كذلك.

وكان متّسما بصحّة باطنه، واعترافه بذنبه، وخوفه من ربّه، وكثرة جهاده. وإذا ذكّر بالله ذكر، وإذا خوّف من عقابه ازدجر، ولم يزل متنزّها عن كل ما يفتتن به الملوك سوى الخمر، لكنه أقلع عنها قبل موته بسنتين. وكان عدله في الخاصّة والعامّة وبسط الحقّ على الأقرب فالأقرب من خاصّته وحاشيته أمرا مضروبا به المثل.

(1) في ب لا توجد كلمة «وغزواته» .

(2) الحنوط: طيب يوضع في ماء غسل الميت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت