الصفحة 315 من 1671

ومن عدله أنه وقف عليه رجل من العامّة بمجلسه، فنادى: «يا ناصر الحق، إنّ لي مظلمة عند ذلك الوصيف الذي على رأسك» ، وأشار إلى الفتى صاحب الدّرقة، وكان له فضل محلّ عنده، ثم قال: وقد دعوته إلى الحاكم، فلم يأت، فقال له المنصور: «أو عبد الرحمن بن فطيس بهذا العجز والمهانة، وكنّا نظنّه أمضى من ذلك؟ اذكر مظلمتك يا هذا» ، فذكر الرجل معاملة كانت جارية بينهما فقطعها من غير نصف (1) ، فقال المنصور: «ما أعظم بليّتنا بهذه الحاشية» ! ثم نظر إلى الصّقلبي وقد ذهل عقله، فقال له: «ادفع الدّرقة إلى فلان، وانزل صاغرا، وساو خصمك في مقامه حتى يرفعك الحقّ أو يضعك» ، ففعل، ومثل بين يديه، ثم قال لصاحب شرطته الخاصّ به: «خذ بيد هذا الفاسق الظالم وقدّمه مع خصمه إلى صاحب المظالم لينفّذ عليه حكمه بأغلظ ما يوجبه الحقّ من سجن أو غيره» ، ففعل ذلك، وعاد الرجل إليه شاكرا، فقال له المنصور: «قد انتصفت (2) أنت» ، اذهب لسبيلك. وبقي انتصافي أنا ممّن تهاون بمنزلتي». فتناول الصّقلبيّ بأنواع من المذلّة، وأبعده عن الخدمة.

ومن ذلك قصة فتاه الكبير المعروف بالبورقي (3) مع التاجر المغربي؛ فإنهما تنازعا في خصومة توجّهت فيها اليمين على الفتى المذكور، وهو يومئذ أكبر خدم المنصور، وإليه أمر داره وحرمه، فدافع الحاكم، وظنّ أنّ جاهه يمنع من إحلافه. فصرخ التاجر بالمنصور في طريقه إلى الجامع متظلّما من الفتى، فوكّل به في الوقت من حمله إلى الحاكم، فأنصفه منه، وسخط عليه المنصور، وقبض نعمته منه، ونفاه. ومن ذلك قصة محمد فصّاد (4) المنصور وخادمه وأمينه على نفسه، فإنّ المنصور احتاجه يوما إلى الفصد، وكان كثير التّعهد له، فأنفذ رسوله إلى محمد، فألفاه الرسول محبوسا في سجن القاضي محمد بن زرب (5) لحيف ظهر منه على امرأته قدّر أنّ سبيله من الخدمة يحميه من العقوبة. فلمّا عاد الرسول إلى المنصور بقصّته، أمر بإخراجه من السجن مع رقيب من رقباء السجن يلزمه إلى أن يفرغ من عمله عنده، ثم يردّه إلى محبسه. ففعل ذلك على ما رسمه، وذهب الفاصد إلى شكوى ما ناله، فقطع عليه المنصور، وقال له: «يا محمد، إنّه القاضي، وهو في عدله، ولو أخذني الحقّ ما أطقت الامتناع منه، عد إلى محبسك أو اعترف بالحقّ فهو الذي يطلقك» . فانكسر الحاجم، وزالت

(1) من غير نصف: من غير إنصاف.

(2) انتصفت: أخذت حقك كاملا.

(3) في البيان المغرب: بالميورقي.

(4) الفصاد: فصد يفصد فصدا وفصادا: شق عرق المريض. والفصّاد. الحجام.

(5) هو محمد بن يبقى بن زرب أحد صدور الفقهاء في زمانه بالأندلس (انظر تاريخ قضاة الأندلس صفحة 77) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت