مغيرتهم إلى دير قسطان وبسيط بلنبو (1) على البحر المحيط، وفتحوا حصن شنت بلاية (2) ، وغنموه، وعبروا سباحة إلى جزيرة من البحر المحيط لجأ إليها خلق عظيم من أهل تلك النواحي، فسبوا من فيها ممّن لجأ إليها. وانتهى العسكر إلى جبل مراسية المتّصل من أكثر جهاته بالبحر المحيط. فتخلّلوا أقطاره، واستخرجوا من كان فيه، وحازوا غنائمه. ثم أجاز المسلمون بعد هذا خليجا في معبرين أرشد الأدلّاء إليهما، ثم نهر أيلة، ثم أفضوا إلى بسائط واسعة العمارة كثيرة الفائدة، ثم انتهوا إلى موضع من مشاهد ياقب صاحب القبر تلو مشهد قبره عند النصارى في الفضل، يقصد نسّاكهم له من أقاصي بلادهم ومن بلاد القبط والنّوبة وغيرهما، فغادره المسلمون قاعا. وكان النزول بعده على مدينة شنت ياقب البائسة، وذلك يوم الأربعاء لليلتين خلتا من شعبان، فوجدها المسلمون خالية من أهلها، فحاز المسلمون غنائمها، وهدموا مصانعها وأسوارها وكنيستها، وعفّوا آثارها. ووكّل المنصور بقبر ياقب من يحفظه ويدفع الأذى عنه، وكانت مصانعها بديعة محكمة فغودرت هشيما كأن لم تغن بالأمس، وانتسفت بعوثه بعد ذلك سائر البسائط، وانتهت الجيوش إلى مدينة شنت مانكش (3) منقطع هذا الصقع على البحر المحيط، وهي غاية لم يبلغها قبلهم مسلم، ولا وطئها لغير أهلها قدم، فلم يكن بعدها للخيل مجال، ولا وراءها انتقال. وانكفأ المنصور عن باب شنت ياقب وقد بلغ غاية لم يبلغها مسلم قبله، فجعل في طريقه القصد على عمل برمند بن أردون ليستقرّ به عائثا ومفسدا (4) ، حتى وقع في عمل القوامس المعاهدين الذين في عسكره، فأمر بالكفّ عنها، ومرّ مجتازا حتى خرج إلى حصن بليقية (5) من افتتاحه، فأجاز هنالك القوامس بجملتهم على أقدارهم، وكساهم وكسا رجالهم، وصرفهم إلى بلادهم، وكتب بالفتح من بليقية. وكان مبلغ ما كساه في غزاته هذه لملوك الروم ولمن حسن غناؤه من المسلمين ألفين ومائتين وخمسا وثمانين شقّة من صنوف الخزّ الطّرازي، وأحدا وعشرين كساء من صوف البحر، وكساءين عنبريّين، وأحد عشر سقلاطونا، وخمس عشرة مريّشات (6) ، وسبعة أنماط ديباج، وثوبي ديباج روميّ، وفروي فنك، ووافى جميع العسكر قرطبة غانما، وعظمت النعمة والمنّة على المسلمين. ولم يجد المنصور بشنت ياقب إلّا شيخا من الرّهبان جالسا على القبر، فسأله عن مقامه، فقال: «أونس يعقوب» ، فأمر بالكفّ عنه.
قال: وحدّث شعلة، قال: قلت للمنصور ليلة طال سهره فيها: «قد أفرط مولانا في
(1) في البيان المغرب: بلنبوط.
(2) عفّوا آثارها: محوها، دمروها.
(3) في ب: إلى جزيرة شانت مانكش.
(4) في ب: ليستقريه عاثئا ومفسدا.
(5) في ابن عذاري: مليقة، ولعلها: لميقة.
(6) في ب: مريشا.