السهر، وبدنه يحتاج إلى أكثر من هذا النوم، وهو أعلم بما يحرّكه عدم النوم من علّة العصب، فقال: يا شعلة، الملك لا ينام إذا نامت الرعيّة، ولو استوفيت نومي لما كان في دور هذا البلد العظيم عين نائمة». انتهى ما نقلته من الكتاب المذكور.
وقد رأيت أن أذكر هنا أخبارا، نقلتها من كتاب «الأزهار المنثورة، في الأخبار المأثورة» : قال في الزهرة التاسعة والعشرين: تقدّم إلى المنصور وانزمار بن أبي بكر البرزالي أحد جنود المغاربة، وقد جلس للعرض والتمييز، والميدان غاصّ بالناس، فقال له بكلام يضحك الثّكلى: يا مولاي، ما لي ولك، أسكنّي فإني في الفحص، فقال: وما ذاك يا وانزمار؟ وأين دارك الواسعة الأقطار؟ فقال: أخرجتني عنها والله نعمتك، أعطيتني من الضياع ما انصبّ عليّ منها من الأطعمة ما ملأ بيوتي وأخرجني عنها، وأنا بربري مجوّع حديث عهد بالبؤس، أتراني أبعد القمح عني؟ ليس ذلك من رأيي. فتطلّق المنصور وقال: لله درّك من فذّ عييّ، لعيّك في شكر النعمة أبلغ عندنا، وآخذ بقلوبنا من كلام كل أشدق متزيد وبليغ متفنّن، وأقبل المنصور على من حوله من أهل الأندلس فقال: يا أصحابنا، هكذا فلتشكر الأيادي وتستدام النعم، لا ما أنتم عليه من الجحد اللازم، والتشكّي المبرّح، وأمر له بأفضل المنازل الخالية.
وفي الموفية ثلاثين ما نصّه: أصبح المنصور صبيحة أحد، وكان يوم راحة للخدمة (1) الذي أعفوا فيه من قصد الخدمة، في مطر وابل غبّ أيام مثله، فقال: هذا يوم لا عهد بمثله، ولا حيلة للمواظبين لقصدنا في مكابدته، فليت شعري هل شذّ أحد منهم عن التقرير (2) فأغرب في البكور؟ اخرج وتأمّل، يقوله لحاحبه، فخرج وعاد إليه ضاحكا، وقال: يا مولاي، على الباب ثلاثة من البرابرة: أبو الناس بن صالح واثنان معه، وهم بحال من البلل إنّما توصف بالمشاهدة، فقال: أوصلهم إليّ وعجّل. فدخلوا عليه في حال الملّاح بللا ونداوة، فضحك إليهم وأدنى مجلسهم، وقال خبّروني كيف جئتم؟ وعلى أيّ حال وصلتم؟ وقد استكان كل ذي روح في كنّه (3) ، ولاذ كل طائر بوكره، فقال له أبو الناس بكلامه: يا مولانا، ليس كل التّجّار قعد عن سوقه، وإذا عذر التجار على طلب الربح بالفلوس فنحن أعذر بإدراكها بالبدر ومن غير رؤوس الأموال، وهم يتناوبون الأسواق على أقدامهم ويذيلون في قصدها ثيابهم، ونحن نأتيك على خيلك، ونذيل على صهواتها ملابسك، ونجعل الفضل في قصدك مضمونا إذا جعله
(1) في ب: راحة الخدمة.
(2) في ب، ه: التقدير.
(3) الكن: المكان يستتر به.